الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

حقوق المرأة الاجتماعية في تونس و'علماء الدين'

تناسى علماؤنا الجهابذة أن الفصل الثاني من الدستور ينص على أن 'تونس دولة مدنية' وذلك يعني أنها ليست دولة دينية وأنها لا تعتمد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/08/24، العدد: 10732، ص(9)]

الموضوع الذي أسال في الأسبوع الماضي وما انقضى من هذا الأسبوع كثيرا من الحبر في تونس وخارجها وخلخل كثيرا من العقول وحرّك كثيرا من الأهواء هو دعوة رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي في خطابه يوم 13 أغسطس الجاري إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث وتعطيل العمل بالمنشور 73 الذي يمنع المرأة التونسية المسلمة من الزواج بغير المسلم.

ولم يكن ما قاله رئيس الجمهورية في مسألة الإرث “قرارا رئاسيا”، بل كان مقترحا أوكل أمر دراسته والانتهاء إلى رأي يُعْتَمَدُ بشأنه إلى لجنة من الخبراء، وقد لقيت الدعوة تأييدا من مفتي الجمهورية التونسية الشيخ عثمان بطيخ، لكن هذا التأييد لم يفد شيئا بل رأينا الدنيا عندنا تقوم ولا تقعد، إذ انبرى المعترضون على المقترح من كل الجهات يعبرون عن استيائهم من “تبديل كلمات الله” و“الخروج عن شريعته” وخاصة بالنسبة إلى مسألة الإرث، ولم يحمل بعض السياسيين المقترح محمل الجد فاتهموا الرئيس بأنه يقوم بحملة انتخابية مبكرة لنفسه للانتخابات الرئاسية سنة 2019 ولحزب نداء تونس الذي أسسه في الانتخابات البلدية القادمة، كما انبرى عدد كبير من الإعلاميين -ممن يحنون إلى عهد الترويكا خاصة- ومن المثقفين الذين عرفنا بعضهم رافعا للواء الحداثة، وقد تعددت تأويلاتهم لكن أبرزها هو ربط دعوة رئيس الجمهورية التونسية بالاستجابة للشروط التي أملاها الاتحاد الأوروبي على تونس لتقديم الإعانة لها مع ما يمثله ذلك في نظر بعضهم من استباحة للسيادة التونسية وتهيئة مقنعة لاستعمار البلاد، بل إن أحد النهضويين قد رأى في هذه الشروط “إهانة” واستنتج ببساطة أن “من يعينك يهينك!” وقد رجعنا إلى “قرار” الاتحاد الأوروبي الصادر يوم 14 سبتمبر 2016 ولم نجد فيه “شروطا” أو “إلزامات” مفروضة على تونس بل وجدناه “يدعو” في الفقرة 14 -في نطاق تشجيعه على الانتقال الديمقراطي- إلى “إيلاء الأهمية للتوازن بين الرجال والنساء في سياق الحقوق العامة”، مذكرا في ذلك بما أقره الدستور الجديد في الفصل 46. وليس في هذه “الدعوة” ما يشبه “الشروط” الحقيقية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الدول التي تريد أن تنتسب إليه فتصبح عضوا فيه مثل تركيا التي لم تستطع الإيفاء بتطبيق الشروط بعد.

أما الاعتراض الأعْتَى والأشد فقد أتى من “مشائخ الزيتونة وأساتذة الشريعة المعتدلين” الذين أمضى ثلاثة وعشرون منهم عريضة ترفض المساواة في الإرث وإلغاء المنشور 73، ونظم خمسة منهم -من بينهم امرأةٌ- ندوة صحافية برعاية جمعيتين تدعى أولاهما “جمعية هيئة مشائخ تونس” وتدعى الثانية “جمعية الأئمة من أجل الاعتدال ونبذ التطرف” اعتبروا فيها ما ورد في دعوة رئيس الجمهورية “طعنا صريحا لثوابت الدين الإسلامي”، وكان تركيزهم على مسألة المساواة في الميراث فرأى أحدهم أن الميراث “فكرة إسلامية ظلت طوال 1400 سنة من المسلمات” وأنها “تستند إلى أدلة قطعية لا يمكن الاجتهاد فيها”، وقال آخر إن “النصوص الدينية القطعية لا يمكن أن تكون محل نظر واجتهاد”، ورأى ثالث أن أحكام الميراث في القرآن أهم من أحكام العبادات.

ولم تنس الجماعة التعريج على الدستور لتدعم به موقفها فذكرت أنه ينص في فصله الأول على أن “دين الدولة الإسلام”، وينص في فصله السادس على أن “الدولة راعية للدين وتلتزم بحماية المقدسات”، وقد تناسى علماؤنا الجهابذة أن الفصل الثاني من الدستور ينص على أن “تونس دولة مدنية” وذلك يعني أنها ليست دولة دينية وأنها لا تعتمد الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع؛ كما نذكر علماءنا “المعتدلين” بأنهم في استشهادهم بالفصل السادس من الدستور قد وقفوا عند “ويل للمصلين” لأنهم اعتمدوا جزءا من الفصل وأهملوا جزءه المهم بالنسبة إلى الدولة المدنية، وهو أن الدولة “كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية”، ومن التعسف أن نفرض على هذا الجزء المهم -كما يريد ذلك نورالدين الخادمي- الانسجام مع ما نص عليه الفصل الأول من أن “دين الدولة الإسلام”، فهذا الانسجام يحذف الجزء كله لأنه ينفي حرية المعتقد وحرية الضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية. على أن موجات الاعتراض قد تجاوزت الحدود التونسية ليتبناها بعض جهابذة السياسة والإسلام “المعتدل” والإسلام السياسي في مصر.

أما في السياسة فقد ارتفع صوت شخص اسمه علاء عريبي يبدو أنه من حزب الوفد يطالب بإعادة “فتح تونس” دينيا لأنها ارتدّت عن الإسلام، وأما “الإسلام المعتدل” فقد تكلم باسمه جامع الأزهر الذي رفض على لسان وكيله أولا ثم في بيان أصدره ثانيا دعوة رئيس الجمهورية التونسية جملة وتفصيلاً لأن “النص (الديني) صريح ولا يقبل الاجتهاد فيه”، والأزهر يعلن بتواضع كبير “أن رسالته بخاصة ما يتعلق بحراسة دين الله هي رسالة عالمية لا تحدها حدود جغرافية”، وهذا يعني أن تونس -بمن فيها من خاصة وعامة- ليس لها أن تفكر أو أن تجتهد في الدين خارج الدائرة التي يسمح لها بها الأزهر، وأما الإسلام السياسي -وهو إسلام إخواني مُعْلَنٌ- فيمثله شخصان: الأول اسمه محمد مصطفى سليمان، وهو مدير مركز للأبحاث اسمه “مركز أكاديمية ابن تيمية للأبحاث المعرفية والعقائدية”، وقد جاد علينا هذا “الأكاديمي” بتقديم بلاغٍ إلى النائب العام المصري ضد الرئيس الباجي قائد السبسي ومفتي الجمهورية عثمان بطيخ، والتهمة هي ازدراء الدين الإسلامي وزعزعة الأمن القومي في مصر (كذا)، وتجاهل بيان الأزهر -باعتباره مؤسسة دينية عالمية- المبطل لدعوة رئيس الجمهورية التونسية. أما الشخص الثاني فإخواني متطرف معروف صديق لجماعة النهضة عندنا اسمه وجدي غنيم، وقد عرفه التونسيون عندما وفد عليهم بفضل بركات الترويكا وعرفوا بعض شطحاته الفكرية، وهو اليوم -من منفاه في تركيا “العلمانية” التي لم تحرك علمانيتها له ساكنا- يكفر التونسيين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية والطبقة السياسية عامة والعلمانيين خاصة، بسبب الدستور الذي لم ينُصّوا فيه على أن الشريعة هي مصدره الوحيد، والنظام الديمقراطي الذي يطبقونه وهو يرى الديمقراطية كفرا، ثم دعوة رئيس الجمهورية المتعلقة بالمساواة في الميراث والسماح للتونسية بالزواج من غير المسلم.

وإذن فإن التونسيين حسب المواقف السلفية الإخوانية المتطرفة التي ذكرناها كَفَرَةٌ مرتدون عن الإسلام وذلك ما يُجِيز أن تصبح تونس أرض جهاد فتفتح من جديد. وهذا الذي يحدث من استعداء على التونسيين يذكرني بما حدث سنة 1965 -وقد كنتُ تلميذا في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي- بعد الخطاب الذي ألقاه الزعيم الحبيب بورقيبة في أريحا في شهر مارس من السنة نفسها، إذ انطلقت الاتهامات لبورقيبة بالخيانة والعمالة للاستعمار في مسألة قد بين التاريخ سداد رأيه فيها وسـُخْفَ رأي الذين خوّنوه، وأتذكر جيدا ما كان يكال لتونس من السباب والشتم في برنامج إذاعي مشهور يقدمه شخص اسمه أحمد سعيد من إذاعة “صوت العرب” عنوانه “أكاذيب تكشفها حقائق”. ويبدو لي أن العقلية التي كانت تسمح بشتم تونس والتونسيين في السنوات الستين من القرن الماضي باسم القومية العربية هي نفسها العقلية التي تسمح بشتمهما اليوم باسم الدين، وقد بين التاريخ خطأ الذين شتموهما في السنوات الستين وسيبين خطأ الذين يشتمونهما اليوم.

لقد كانت تونس منذ بداية الاستقلال سنة 1956 رافعة لواء التجديد في الفكر والاجتهاد في الدين. وقد ظهرت آثار التجديد في الفكر في النتائج الباهرة التي حققتها دولة الاستقلال في مجالات كثيرة أهمها التربية والصحة، وظهرت آثار الاجتهاد في الدين في مجلة الأحوال الشخصية خاصة. وقد أتى على البلاد حين من الدهر دُجِّنَ فيه حملة الفكر المجدد حتى كادوا ينعدمون، وعلماء الدين المجتهدون حتى كادوا ينقرضون اليوم. وما قام به السبسي يندرج فيما نرى في إحياء مظاهر التجديد والاجتهاد التي كان قد واكبها في دولة الاستقلال لتستعيد البلاد التونسية مبادراتها الحداثية الرائدة.

ومن أهم المجالات التي تتطلب مواصلة التجديد والاجتهاد في بلد يقرّ دستوره بالمساواة التامة بين المواطنين وبأن الدولة فيه دولة مدنية مجالُ المرأة. ونحن لو نظرنا إلى المنزلة البشرية للمرأة العربية في المجتمع منذ أواخر القرن السادس الميلادي نظرة موضوعية معمقة لوجدناها منزلة وسَطًا بين منزلة العبْد ومنزلة الرجل الحر، وقد أراد الإسلام أن يرفع عنها بعض الضيم سواء في القرآن الكريم أو في السنة، ولكن الاجتهادات الفقهية عبر العصور قد اتجهت إلى تمتين سلطة الرجل وتقويتها اعتمادا على تأويل النصوص الدينية بما يتماشى ومصالحه. وقد كان للتقدم الحضاري في العالم آثاره في العالمين العربي والإسلامي فزالت منهما العبودية، وقضى فيهما على الاستعباد لكنه لم يغير من منزلة المرأة إلا قليلا.

وما قامت به تونس سنة 1956 وما تريد أن تقوم به اليوم يتنزل في سياق تطور المجتمع الذي يصحبه عادة تطور مصالح الناس، والمجتهدون في الدين حقا يعلمون أن في الفقه بابا قد اتفق عليه الأئمة اسمه العمل بالمصلحة في مقابل العمل بالنصوص، وقد نعود إلى هذا الموضوع في مقالة قادمة.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر