الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

النهضة ومدنية الدولة في تونس

التخلي عن مجانية التعليم وسيلة من وسائل التمكين للإسلام السياسي، مثلما أن في إحياء نظام الأحباس والعمل به جذبا للمجتمع التونسي إلى الوراء نحو المجتمع المؤسْلم على مذهب الإسلام السياسي الإخواني.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/09/07، العدد: 10744، ص(9)]

من المواقف السياسية التي استأثرت في الأسبوع الماضي وخلال هذا الأسبوع بالاهتمام والمتابعة بالتعليق الرافض رفضا حاسما لها موقفان صدرا عن قياديين في حركة النهضة. أولهما لراشد الغنوشي دعا فيه إلى إعادة نظام الأحباس، أو الأوقاف، الذي أبطلت دولة الاستقلال العمل به منذ سنة 1956 لتعارضه والمصلحة العامة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد؛ والثاني لنورالدين البحيري رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان، دعا فيه إلى التخلي عن مجانية التعليم، وهي الإنجاز الشعبي الوطني الذي كان من أهم إنجازات دولة الاستقلال منذ سنة 1956.

والموقفان يطرحان مسألة صدق حركة النهضة في ادعائها الانتقال من حركة دينية دعوية إلى حزب سياسي مدني ديمقراطي، وتغير ألوان خطابها بحسب الجهة المخاطَبَة تغيرا دالاّ على أنها بـاقية على أصولها الـدينية الدعوية الإخوانية اليمينية التي قد تبلغ حد التطرف.

فقد كانت النهضة قد أقامت الدنيا ولم تقعدها قبيل عقدها لمؤتمرها العاشر في شهر مايو 2016 لتظهِر للعالم، وخاصة للأوروبيين والأميركيين، أنها قد غيرت جلدتها وأنها لم تبق حركة إسلامية سياسية بل أصبحت حزبا مدنيا.

ومن الصحف الأوروبية التي حفلت بهذا “التغيير المبارك” صحيفة “لومند” الفرنسية التي فتحت صفحاتها لراشد الغنوشي يومي 10 و19 مايو 2016 ليتحفها بتصريحين أكد في أولهما “خروج النهضة من الإسلام السياسي” ومراجعتها الجذرية لمذهب الحزب السياسي الديني، وصرح في الثاني بأن النهضة تخرج من الإسلام السياسي لتدخل “الديمقراطية الإسلامية” لأن الإسلام السياسي أصبح لا مبرّر له في تونس. ثم نظمت مؤتمرها أيام 20 – 22 مايو 2016، وقد كان المتابعون ينتظرون خروج الحزب بتغييرات جوهرية لا ترتبط بالماضي بل ترتبط بالمستقبل. وقد صدر عن المؤتمر العاشر بيان ختامي مطول ونظام أساسي للحزب معدّل.

أما البيان ففيه اعتزاز ظاهر بماضي الحزب رغم ما يحيط به من نقاط سود يعرفها التونسيون جميعهم، فهو قد قطع “مسيرة تجاوزت الأربعين عاما من النضال القاصد إلى المساهمة في تجديد الوعي الحضاري والإسهام في توفير حياة أفضل للتونسيين والتونسيات”، وهذا يعني أن ما عرفته البلاد من أحداث تفجير دمويّ وقتل في السنوات الثمانين، وما عرفته في فترة حكم الترويكا من مظاهر فساد في الحكم مقصودة كان جميعها من أجل “تجديد الوعي الحضاري” في تونس و“توفير حياة أفضل للتونسيين والتونسيات”.

كما غلبت على البيان الإنشائية والشعارات السياسية عن الديمقراطية ومدنية الدولة والحريات العامة والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات التي ورد كثير منها في ما أدلى به رئيس الحزب لجريدة “لومند”، ومن ذلك تأكيد البيان أن “حزب حركة النهضة قد تجاوز عمليا كل المبررات التي تجعل البعض يعتبره مما يسمى ‘الإسلام السياسي’ وأن هذه التسمية الشائعة لا تعبّر عن حقيقة هويته الراهنة ولا تعكس مضمون المشروع المستقبلي الذي يحمله”.

وتعتبر النهضة أن عملها مندرج ضمن اجتهاد أصيل لتكوين تيار واسع من “المسلمين الديمقراطيين” الذين يرفضون التعارض بين قيم الإسلام وقيم المعاصرة”.

و“المشروع المستقبلي” و“المسلمون الديمقراطيون” و“قيم المعاصرة” كلها مفاهيم تصطدم بما ورد في النظام الأساسي المعدّل، أما من حيث الهوية فإن الحزب حسب الفصل الأول منه “ذو مرجعية إسلامية”، وأما الأهداف فإن من أهمها حسب الفصل السادس “تجذير الهوية العربية الإسلامية”؛ وأما الوسائل التي يحقق بها أهدافه فهي حسب الفصل السابع “الوسائل الشرعية”، مع ما يعنيه هذا المصطلح من اعتماد على “الشريعة الإسلامية” في مختلف مناحي الحياة.

ومن أهم ما يستنتج من هذه الرؤية هو إخضاع “قيم المعاصرة لـ“قيم الإسلام السياسي” وإخضاع “المشروع المستقبلي” لما يبيحه أو لا يبيحه النص الديني سواء كان قرآنا أو كان سنّة؛ وأما “المسلمون الديمقراطيون” فاستعمال غريب لأنه دال إما على أنّه لا فرق بين الجماعة وبقية التونسيين المسلمين الديمقراطيين المنتمين إلى أحزاب مدنية لا تتخذ الإسلام مرجعية لها، وإما على أنهم هم وحدهم المسلمون الديمقراطيون وأن بقية الديمقراطيين التونسيين غير مسلمين، وفي هذا التصور الخور ذاته. وقد كان التونسيون الديمقراطيون من غير “الإسلاميين” ينتظرون من الحزب أن يغير مرجعياته الدينية ووسائله الشرعية ليصبح حزبا مدنيا يمكن أن يُطْمَأنّ إليه.

وقد تتالت في النصف الثاني من سنة 2016 وما انقضى من هذه السنة المواقف النهضوية الدالة على أن ما ورد في جريدة “لومند” من تصريحات وما ورد في البيان الختـامي مـن “تغييـرات” ليسـا إلاّ “شعـارات” للتسويق الخارجي أوّلا، ثم الداخلي ثانيا.

ومن أهم تلك المواقف دفـاع رئيس النهضة عن “الإسلام الغاضب” أي عن الدواعش وما يقومون به من إرهاب وتقتيل للمسلمين في العراق وسوريا خاصة، ودعوته إلى قبول عودة الإرهابيين التونسيين “تائبين” من بؤر التوتر التي أرسلها إليهم غلاة الإسلام السياسي في تونس، واتصاله المستمر بغلاة الإخوان المسلمين المقيمين في تركيا والتباحث معهم في كيفية استرجاع التنظيم لنشاطه وقوته، رغم إعلان قادة الحزب الانفصال عنهم، وصمته التامّ المطبق عن مواقف الإخواني اليميني المتطرف وجدي غنيم المكفرة للتونسيين ولرئيسهم الباجي قائد السبسي؛ ثم الدعوة أخيرا إلى إحياء نظام الأحباس الذي كانت الدولة التونسية المدنية قد قضت عليه منذ ستين عاما.

ويمكن أن ندرج ضمن هذه المواقف الدالة على “الانتقال من الديني إلى المدني” ما حدث من تشويش عنيف في جزيرة جربة وفي الجم لمنع بيع الخمر في محلات مسموح لها قانونيا بذلك، والتشويشُ الذي حدث بصفاقس مناصرة لإمام قد عزل من الإمامة لخروجه عن ضوابط وظيفته، أو دفاعا عما سمي “مقدسات” لأن مسرحية حملت عنوان “ألهاكم التكاثر” اقتباسا من القرآن الكريم فعد ذلك انتهاكا لحرمة الكتاب المقدس؛ والتسبب في إقالة الشيخ عثمان بطيخ من وزارة الشؤون الدينية لمواقفه من مختلف أشكال التطرف الديني؛ فإذا وجهنا النظر إلى مجلس النواب برزت للعيان المواقف المتشنجة التي برزت في “لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية” أثناء مناقشة “مشروع قانون محاضن ورياض الأطفال”، والمواقف التي ما انفكت تعطل أعمال “لجنة التحقيق حول شبكات التسفير إلى بؤر التوتر”؛ ويمكن أن ندرج ضمن الأدلّة على هذا “التوجه إلى مدنية الدولة” أيضا غياب زعيم الجماعة عن احتفالات التونسيين في قصر قرطاج يوم 13 أغسطس بعيد المرأة، وغياب قادة الجماعة عن صلاة عيد الأضحى الجماعية “الرسميّة” يوم 1 سبتمبر، فكأنهم يقفون بمنأى عن التونسيين قائلين لهم “لكم عيدكم ولنا عيدنا”، ولعل معنى ذلك أيضا “لكم دينكم ولنا ديننا”، ذلك أن الفرق بينهم وبين التونسيين أن التونسيين “مسلمون” أما هم فـ“إسلاميون”، والفرق بين المفهومين كبير جدا. ثم خُتِمَت المواقف الدالة على الرغبة في “تجديد الوعي الحضاري والإسهام في توفير حياة أفضل للتونسيين والتونسيات” بدعوة نورالدين البحيري رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان إلى “التراجع عن مجانية التعليم لأن الدولة أصبحت غير قادرة على ذلك”.

وقد جاءت دعوة راشد الغنوشي إلى إحياء نظام الأوقاف في خضم المناقشات الدائرة في تونس وخارجها حول اقتراح رئيس الجمهورية المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة والسماح للتونسية المسلمة بالزواج بغير المسلم. والفرق بين دعوة قائد السبسي ودعوة الغنوشي جوهري. فإن الأولى تنظر إلى المستقبل لإزالة الفوارق بين مكوني المجتمع، الرجل والمرأة، اللذين يساوي بينهما الدستور في المواطنة، والدعوة الثانية تنظر إلى الماضي لإحيائه باسم الدين وتطبيق الشريعة؛ ثم إن الدعوة الأولى تعطي المرأة حقوقا قد حرمت منها باسم الدين وتطبيق الشريعة طيلة قرون متعاقبة؛ وأما الدعوة الثانية فتحرمها من تلك الحقوق إن قدر للدعوة الأولى أن تتحقق لأن من حقّ المحَبّس أن يُوَرّثَ الذكر دون الأنثى، فيحرم نظام الأحباس بذلك الأنثى حتى من حقها البسيط الذي ضمنه لها الدين.

وأما دعوة البحيري إلى التخلي عن مجانية التعليم فأشد خطرا على المجتمع التونسي المدني لكنها أوفر غُنْمًا بالنسبة إلى الإسلام السياسي. فإن هذا الإسلام السياسي لا يمكن له التغلغل إلا في المجتمعات الساذجة التي تغلب فيها الأمية ويقل فيها إعمال الفكر، وليست هناك وسيلة أفضل من التعليم المجاني لكل طبقات المجتمع لمحاربة الأمية والتشجيع على إعمال الفكر. وقد كان الإسلام السياسي منذ السنوات السبعين من القرن الماضي يحارب البرامج التعليمية التي تكوّن في التونسي الفكر التقدمي والملكة النقدية، وخاصة في مقالات راشد الغنوشي في مجلة “المعرفة” التي هاجم فيها برامج تعليم الفلسفة. وإذن فإن التخلي عن مجانية التعليم وسيلة من وسائل التمكين للإسلام السياسي، مثلما أن في إحياء نظام الأحباس والعمل به جذبا للمجتمع التونسي إلى الوراء نحو المجتمع المؤسْلم على مذهب الإسلام السياسي الإخواني. وهذه صور من “المشروع المستقبلي” الذي تحمله النهضة، ومظاهر من “قيم المعاصرة” التي يدافع عنها “الإسلام الديمقراطي”.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر