الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

المعارضة السياسية في تونس بين الوطنية والحزبية

لا شك أن 'اليسارية' و'اليمينية' في تفكير الأحزاب وسلوكها تتداخلان تداخلا كبيرا، ولذلك فإن المقياس الأنسب للتمييز بينها هو إيمانها بمدنية الدولة وبقيم الحداثة أو عدم إيمانها بهما.

العرب د. إبراهيم بن مراد [نُشر في 2017/09/14، العدد: 10751، ص(9)]

استوقفتني في العدد الصادر يوم 12 سبتمبر من صحيفة “الشروق” التونسية صورة كاريكاتورية لحمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وُضِعَ لها عنوان “مواااال حمة…” وظهر فيها وهو يخطب وكأنه ينفخ في بالونة ليعلن “حكومة فاشلة… تونس مرهونة؛ تحالف فاشل… ماحلوش مشاكل الشعب؛ ومشاكل خالتي مباركة… هذاكا علاش تونس باركة”.

وفي اختيار الجريدة للسيد حمة في هذا الظرف بالذات تلميح إلى أمرين على الأقل: الأول هو موقف الجبهة الشعبية من التحوير الوزاري الذي قام به رئيس الحكومة يوسف الشاهد هذه الأيام؛ وقد أعلنت كتلة الجبهة في مجلس النواب بالفعل رفضها منح الثقة لأيٍّ من أعضاء الحكومة الجديدة دون استثناء، وأسباب الرفض تكاد تتكرر في كل مرة، وهي “وجود وزراء تحوم حولهم شبهات فساد” و”الإبقاء على وزراء قد ثبت فشلهم في أداء مهامهم” و”الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي”.

والأمر الثاني هو الرفض المطلق الذي تظهره الجبهة الشعبية لكل ما قامت به الحكومات المتعاقبة بعد يناير 2011 سواء في عهد الترويكا أو بعدها، وقد اقترنت في ذهن التونسي أداة النفي “لا” على لسان أعضاء الجبهة عامة والسيد الهمامي خاصة، ينطقون بها أو بما يقوم مقامها في تقييم أي عمل حكومي.

والحق أن للمواقف الرافضة التي يبديها الجبهويون ما يبررها في أحيان كثيرة. فإن المظاهر المعوجّة التي تفشت في العمل السياسي وأصبح بعضها يتسبب في ارتكاب أخطاء فادحة باسم الديمقراطية، وخاصة منذ حل ركب الترويكا في السلطة سنة 2011، كثيرة جدا.

لكن من هذه الاعوجاجات ما هو من اشتراطات العمل السياسي في كل المجتمعات وإن كانت تتفاوت فيها بحسب درجات تطبيق الديمقراطية، ولا يمكن لأي نظام مهما يكن مثاليا أو أي حكومة مهما تكن قوية أن يخلصا من مظاهر الاعوجاع، وهذا ينطبق على الجبهويين أنفسهم لو هم أخذوا السلطة، بل لعلهم من أكثر الناس عرضة لها لأن منطلقاتهم في الحكم على الأشياء منطلقات أيديولوجية تقيس درجات الصحة والخطإ في السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحسب قبول المذهب أو عدم قبوله لها، وهم لا يختلفون في ذلك عن أي جماعة تتخذ أيديولوجية ما مرجعية، وأقرب الناس إليهم في تونس أتباع الإسلام السياسي ذوو المرجعية الدينية من النهضويين.

ونخص بالذكر من مظاهر الاعوجاج السياسي في تونس ثلاثة: أولها النظام السياسي القائم نفسه، لأنه نظام هجين بحق كانت الترويكا بزعامة النهضة قد أقرته لغايات أصبحت غير خفية. فإن السلط في هذا النظام حسب تصور حزب حركة النهضة قبل وضع دستور سنة 2014 مشتتة بين ثلاثة رؤوس ليس لأي منها الحرية التامة في اتخاذ قرار ما في مسألة من المسائل، لكن هذه الرؤوس حسب “الدستور الصغير” الذي وضعته النهضة وسيّرتْ به أجهزة الحكم قبل 2014 تنتمي إما إلى حزب واحد هو الحزب الأغلبي الفائز في الانتخابات التشريعية، وإما إلى أحزاب متحالفة لكن الكلمة العليا في توزيع السلط تكون لذلك الحزب.

ولا يمكن وصف هذا النظام بالبرلماني أو بالديمقراطي، بل هو نظام حزبي ما دام القرار فيه قرار الحزب الحاكم وتوابعه: فهو الذي يسير البرلمان ورئيسه ورئيس الحكومة الذي يكون منه ورئيس الجمهورية الذي يكون إما منه وإما من اختياره؛ ويبدو أن النهضة -حسب النموذج الذي لم يسند فيه إلى رئيس حزب النهضة أي منصب سياسي قيادي- كانت تهيّئ لإقامة نظام يستمد شرعيته من “المرشد العام” على غرار ما تبشر به أدبيات الإخوان المسلمين أو ما يطبق في إيران.

فقد اعتقد قادة النهضة بالفعل أنهم باقون في الحكم عشرات السنين وليس أصلحَ من أجل التمكين لهم وللإسلام السياسي الذي يدينون به من دستور يستمد المبادئ والأحكام من الشريعة الإسلامية ويشرّع لإقامة نظام تيوقراطي تكون فيه الكلمة العليا للمرشد الذي قد يصبح بعد التمكين المطلق خليفة. وقد استطاع التونسيون تسفيه هذه الأحلام بدستور معدل لكنه دستور ملغم بما يشتمل عليه من المتناقضات.

ولا شك أن الجديد المهم في هذا الدستور هو إقرار انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر، فوفر ذلك إمكانية الفصل بين مؤسسة رئاسة الجمهورية والنظام الحزبي. ولكن توزع السلط على ثلاثة رؤوس ما زال مَفْسَدَةً حقيقية لأن الرؤوس الثلاثة قد تختلف وقد يبلغ بها الاختلاف حد التصادم.

ومظهر الاعوجاج الثاني هو تفشي ظاهرة المحاصصة الحزبية. وقد كانت الظاهرة سائدةً أيام حكم الترويكا في المناصب السياسية وفي التعيينات الإدارية والانتدابات الوظيفية، وقد ارتبط ذلك كله بمفهوم “الغنيمة” التي تطورت لتسمّى بعد 2013 “تقاسم الكعكة”.

وهذا المفهوم ما زال نشطا قويا وقد ظهر جليا أثناء التهيئة للتحوير الوزاري الأخير إذ قام بعضهم يمجد “ديمقراطية المنظومة الحزبية” التي تمكن الحزب الفائز بالانتخابات من “امتلاك الكعكة” وتوزيعها على من يشاء إشراكه فيها؛ وقام آخر يحذر مما سماه “انقلابا” على نتائج انتخابات 2014 داعيا إلى أن يحصل الحزب الذي ينتمي إليه على “النصيب الأكبر” من التعيينات.

وأصحاب هذه الدعوات لا يقيمون أي وزن للكفاءة والخبرة وكأنهم يرون أن المسؤول السياسي لا يفكر ولا يخطط بل التفكير والتخطيط من مهام المستشارين الذين يحيط نفسه بهم. وهذا يذكرنا بما كان سائدا قبل سنة 2011 يوم كان من معايير اختيار الوزير الإخلاص للموزر قبل الكفاءة ثم يوم أصبح المستشارون في الرئاسة هم الوزراءَ الفعليّين، وهذا كله مدعاة إلى وجود الفاشلين في السلطة.

والمظهر الثالث هو ما يسمّى ديمقراطية المنظومة الحزبية، وهي ديمقراطية تكرّس تبعية العمل السياسي للعمل الحزبي. وذلك ما يقره النظام السياسي الهجين الذي نطبقه أيضا. فإن الانتماء إلى الحزب السياسي هو الذي يقود إلى المسؤولية السياسية، وهذا ما يفسّر “الإسهال الحزبي” الذي يعبر عنه عدد الأحزاب التي تجاوزت المئتين عندنا.

وبما أن نظام الأحزاب لا يشترط توفر صفات بعينها في المنتمين إليها فإنها معرضة لأن ينتمي إليها الفاسدون بمختلف أنواعهم والباحثون عن الثراء السهل وأصحاب السوابق العدلية، ولهؤلاء جميعهم الحق في أن تدافع أحزابهم عن حقهم في التعيينات السياسية والإدارية فيكون منهم الوزراء وكتاب الدولة والولاة والمعتمدون والعمد بل والرؤساء المديرون العامون للمؤسسات الوطنية، وهذا كله مدعاة إلى وجود الفاسدين في السلطة.

ولا شك أن من دواعي التغلب على مثل هذه المظاهر في العمل السياسي عامة وفي العمل الحكومي خاصة مشاركة المعارضة في السلطة، على أن مفهوم “المعارضة” في “ديمقراطية المنظومة الحزبية” واسع فضفاض، لأنه يشمل الأحزاب التي لم ترفعها صناديق الاقتراع إلى المرتبة الأولى. وقد بوأت انتخابات 2014 حزبَ نداء تونس الصدارة لكنه لم يفز بالأغلبية المطلقة، فكان في حاجة إلى الائتلاف مع غيره ليكون أغلبية برلمانية في بيئة سياسية يمثل هو فيها الحزب المدني الحداثي الوسطي ويحيط به تياران متناقضان هما اليمين ممثلا في حزب النهضة والحزيبات الدائرة في فلكه واليسار ممثلا في الجبهة الشعبية.

ولا شك أن “اليسارية” و“اليمينية” في تفكير هذه الأحزاب وسلوكها تتداخلان تداخلا كبيرا، ولذلك فإن المقياس الأنسب للتمييز بينها هو إيمانها بمدنية الدولة وبقيم الحداثة أو عدم إيمانها بهما. ويبدو أن حزب نداء تونس أراد أن يكوّن ائتلافا سياسيا موسعا يجمع أحزاب اليمين ممثلة في النهضة وأحزاب اليسار ممثلة في الجبهة الشعبية، ويبدو أن توجهه إلى النهضة كان مخططا له من قبل في ما سمي بـ“اجتماع باريس”، وأما توجهه إلى الجبهة الشعبية فيفرضه التوافق معها في خاصيتي المدنية والحداثة.

وقد قبلت النهضة مبدأ الائتلاف لأسباب “براغماتية” كثيرة أهمها حماية نفسها من المحاسبة على أخطاء فترة الترويكا والإبقاء على أعوانها وأتباعها الذين عينتهم في الوظائف الإدارية خاصة، وأما الجبهة الشعبية فقد رفضت المشاركة لأسباب “أيديولوجية” كثيرة أيضا منها انتماء جل مكونات النداء إلى الدستوريين والتجمعيين الممثلين لـ“عهد الدكتاتورية”، ومشاركة الإسلام السياسي في الائتلاف رغم تهم الاغتيالات السياسية العالقة به.

وقد انبنى هذا الموقف الرافض في نظرنا على خطأ محضٍ لأن الجبهة قد سبَّقت قناعاتها المذهبية في الاختيار على مصلحة الوطن، فقد كان من مصلحة الوطن أن تشارك في الائتلاف وأن تبحث مع النداء عن تكوين جبهة وطنية مدنية حداثية موسعة تستطيع التخلص شيئا فشيئا من مشاركة الإسلام السياسي فيه. وقد تتالت الحكومات بعد انتخابات 2014 وتتابعت مواقف الجبهة الرافضة للمشاركة في السلطة فكانت مواقفها حزبية مذهبية غير وطنية، وقد غنمت النهضة من ذلك غنما كبيرا وخسرت البلاد خسارة فادحة.

كاتب وجامعي تونسي

د. إبراهيم بن مراد

:: مقالات أخرى لـ د. إبراهيم بن مراد

د. إبراهيم بن مراد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر