الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الإعلام الجديد وعصر'صحافة المواطن'

صحافة المواطن ستنجح عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمؤثر فى إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عبر صحافة تلتزم بالقيم والأخلاق بعيداً عن التجارة بمستقبل وحياة البشر.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/01/03، العدد: 9427، ص(9)]

ما يثير الانتباه، بروز مصطلح “صحافة المواطن” التي نشأت في إطار ما عرف بالإعلام الجديد، كظاهرة معقدة ومركبة تولدت نتيجة لتداخل موجات متتالية من الظروف والعوامل المتعلقة بالتطور التكنولوجي الهائل في مجال الاتصال، ذلك التطور الذي أدى إلى ظهور العديد من الأشكال المستحدثة من نظم الاتصال الإلكتروني، وأخرى متعلقة بتأثر الجمهور بعيوب إمكانات الإعلام التقليدي ومحدوديتها.

ولعل اسم “صحافة المواطن” يثير شجون المواطن العربي، ويقترب من مداركه المعرفية والحسية والنفسية لأنه يشعره بوجود صحافة خاصة به، وهو الذي عاش قرونا تحت رحمة الصحافة الرسمية البليدة، وقمع السلطات وتكميم الأفواه، واستبدادية الحكام .

وإذا كانت الثورات العربية الأخيرة ولدت من رحم مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية، فإن التغطية الإعلامية لهذه الثورات قلبت مقاييس الإعلام العربي بعدما غزته “صحافة المواطن” بالصوت والصورة، ضاربة بعرض الحائط كل محاولات القمع والتعتيم التي تنتهجها أنظمة هذه الشعوب. وبالتالي فإن هذا المواطن الذي يقود الثورة على الأرض ومن ورائها على الصفحات الإلكترونية، يشكل- في الوقت نفسه- مصدرا أساسيا للإعلام الذي صدت أمامه المصادر التقليدية، وتحولت هذه الصحافة إلى المادة الأساسية التي يعتمد عليها في نقل معظم مجريات الثورات.

وبدون شك فإن كل مواطن هو بالضرورة صحفي صاعد، يتحكم في زمن الأحداث ووقعها، فلا تستطيع أية وكالات أنباء أن تنشر صحفيين في كل الشوارع، وأصبح ظاهرة غير قابلة للتجاهل، فقد أظهرت أحداث التسونامي في جنوب شرق آسيا وتفجيرات لندن وإعصار كاترينا في الولايات المتحدة حقيقة قوة وفاعلية هذه الظاهرة.

وبعد، هل يمكن القول أن المواطن الذي امتلك حرية القول والكتابة في عصر الإعلام الرقمي، سيسيطر على المؤسسة الإعلامية الافتراضية، ويؤسس له صحافة جديدة، مثلما فعلها في ربيع الثورات العربية، فأسس له جمهورية جديدة اسمها “جمهورية الفيسبوك”، فأسقط الاستبداد في تسونامي الثورات الشعبية، وأنشأ المواقع والمدونات ليؤسس إعلاما جماهيريا رقميا أزعج السلطات الدكتاتورية، وثوّر الإعلام التقليدي الذي كان نائماً في قصور الرئاسات.

هل نحن في مواجهة قوية، وعصر جديد يحتل المواطن العربي فيه ميادين الإعلام العربي ومؤسساته، مثلما فعلها في ميادين التحرير؟

وهل ينتهي عصر الإعلام التقليدي، ويحل البديل الرقمي، والصحفي المواطن الذي يجيد التعامل مع تقنيات العصر؟ وهل تضمحل كليات الإعلام مقابل الصحفي الجديد الذي لا يجعل من المستوى التعليمي أو العملي أو الحالة الاجتماعية عائقا في سبيل التعبير عن آرائه وتوضيح مواقفه من القضايا المختلفة؟

وهذا المولود العالمي في طور النمو، ويوماً بعد يوم تتضح ملامحه ومعالمه وتأثيراته الواسعة النطاق، والمراهنة عليه كبيرة في قلب المفاهيم والتصورات التي تعلمناها وورثناها وعرفناها عن الصحافة التقليدية، وقد أطلق عليه لقب صحافة المواطنين (Citizen Journalism)، ولا يحتاج المواطن التابع لدولة صحافة المواطن إلى غير هاتف جوال (A mobile phone 3G) ليتوجه إلى موقع الحدث ويقتنص الأخبار ويقوم بالتصوير ويجري اللقاءات ويرسل لقطات الفيديو إلى الانترنت ويتحول إلى صحفي محترف.

تاريخياً، بدأت ظاهرة “صحافة المواطن” في الولايات المتحدة الأميركية نهاية القرن العشرين مع ظهور المدوّنات، وتزايد دورها وأهمّيتها بين الأعوام 2003 و2005، مع إطلاق وسائل اتصال جديدة كالفيسبوك واليوتيوب، والتي خلقت مناخاً جديداً للحصول على المعلومة والصورة.

ونجاح صحافة المواطنين في السنوات الأخيرة وبروز دورها المحوري في نقل خفايا أحداث هامة بدءاً من تفجيرات 11 أيلول 2001، في الولايات المتحدة الأميركية، مروراً بزلزال تسونامي في أندونسيا عام 2004 ومن ثم تفجيرات مدريد 2005 وصولاً إلى الاحتجاجات على الانتخابات الإيرانية 2009 والثورات العربية 2011 وغيرها من الأحداث، جعلت السؤال التالي: إلى أيّ مدى تنافس صحافة المواطنين وسائل الإعلام التقليدي؟

يمكن القول أنّ صحافة المواطن استطاعت أن تكون عوناً وذراعاً قوياً لوسائل الإعلام التقليدية في نقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات، إلا أن هذا العون لا يأتي حالياً من واقع تنافس وسيلة إعلامية في مقابل وسيلة إعلامية أخرى، وإنما يأتي من واقع التكامل ما بين النوعين، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحلّ المواطنون الصحفيون محل الصحفيين المحترفين، فصحافة المواطنين غير مضبوطة ضمن معايير إعلامية وتحريرية مهنية، إلا أن هذا لا يقلل من أهمية هذه الظاهرة وتنامي تأثيرها في الحراك الاجتماعي والسياسي العربي والعالمي، والذي يقتضي العمل سريعاً على تشريع إطار قانوني محلي وطني يكفل ويحمي حقوق المواطنين الصحفيين، فاليوم ولأول مرة في تاريخ البشرية أصبحنا جميعاً ناقلين للحقيقة، ويجب علينا حماية هذا الحق بكل ما أوتينا من معرفة وحكمة.

إن صحافة المواطن لم ولن تلغي الإعلام التقليدي، بل ستكون المكمّل لدوره، والدليل على ذلك أن كل من الإذاعة والتلفزيون والصحيفة والإنترنت لم يؤثر أحدها على موقع الآخر، بل على العكس من ذلك تحول الواقع الإعلامي إلى ما يمكن تسميته بـ”الإعلام المندمج الشامل”، ذلك أن الاتجاه هو للتكامل ولجيل جديد وثقافة أكثر تقدما وعصرية للعمل الصحافي، لا سيما أن الناشط المعارض ومستخدم “تويتر” أو المدون بات كما الكاتب الصحافي في الجريدة، يستضاف في المحطات التلفزيونية للوقوف على رأيه والتعليق على حدث ما بعدما صار لمصداقيته معيار.

كما أن صحافة المواطن أنهت احتكار الصحافة التقليدية للأخبار والسبق الصحفي، وأصبح المواطن العادي يسبق الصحفي التقليدي في نقل الأحداث كما رأينا فى تفجيرات بريطانيا وغيرها من دول العالم.

ومع ذلك فإن ما يثير الانتباه حقاً، هو تسارع انتشار ظاهرة صحافة المواطن عربياً وعالمياً مما يؤكد تبلور نشوء “دولة صحافة المواطن”، وظهور المدونات والمواقع بشكل ملفت للنظر، وتأثيرها الواضح في الحياة الإعلامية.

ولنا أن نتصور، على سبيل المثال لا الحصر، أن الموقع الإخباري الإلكتروني أوهماي نيوز(ohmynews.com) والذي بدأ انطلاقته في عام 2000 في كوريا الجنوبية، يعتمد على إلغاء وظيفة المحررين والصحفيين، ليكون القراء هم من يحررون الأخبار ويرسلون المقالات وهم من يقرأونها ويقيمونها، وهناك ما يقارب 60 ألف مواطن مراسل، تتراوح أعمارهم ما بين الـ 10 أعوام والـ 80 عاما يساهمون في الكتابة وتزويد الموقع بالأخبار، وهناك ما لا يقل عن 100 ألف شخص في كوريا الجنوبية يقرأون ما في الموقع في أي وقت من اليوم .

والخلاصة أن صحافة المواطن هي ردة فعل قد تكون في نفس الوقت عفوية، وواعية بتقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في مصداقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفا حرجا من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني.

ويبدو أن صحافة المواطن تسعى أكثر إلى إعادة الاعتبار والتمسك بسلة المثل التي تبشر بها الديمقراطية، وكيف أن المواطن بإمكانه أن يقرر مصيره ويحدد مستقبل أبنائه، ويختار نوعية الحياة التي يريدها، ومن خلال مشروعها لإنقاذ الديمقراطية، وبمعنى آخر تريد صحافة المواطن إنقاذ الاتصال والإعلام من آليات التوظيف والإحتكار. ويصبح ذلك ممكنا من خلال تفعيل الجدل والحوار الديمقراطي حتى يتمكن الناس- كل الناس- من تحديد مستقبلهم الفردي والجماعي بكل حرية وشفافية، وبعيدا عن كل أشكال الضغط والتلاعب.

وستنجح صحافة المواطن عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمؤثر في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عبر صحافة تلتزم بالقيم والأخلاق بعيداً عن التجارة بمستقبل وحياة البشر، وهذا يعني نقل الحقيقة بموضوعية وعدم الانحياز إلى جانب على حساب الآخر، بمعنى الابتعاد عن التكهنات والآراء الشخصية المتعصبة لفكر أو أيديولوجية معينة.

وستكون صحافة المواطنين صحافة واقعية عندما تقدم خدماتها للمواطن بواسطة صحفي يستطيع استيعاب تكنولوجيا العصر لصنع صحافة الجماهير، وهذا ما ينتظره الجميع في كل الأوطان.

* كاتب وإعلامي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر