الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الأقدمية الثقافية

البعض يعض على هذه الأقدمية في الثقافة أيضا، دون عطاء يذكر؛ ليستمر في التربع ضمن الوجود الثقافي دون النظر للماء الذي يجري 'من تحت'.

العرب عبدالغني فوزي [نُشر في 2017/10/22، العدد: 10789، ص(15)]

يبدو أن موظفي الدولة أكثر إدراكا وإمعانا لهذه المدعوة “أقدمية”، وحدها تجذرك وتجعلك تتنقل بين السلاليم على وزن الرساميل. وقد تجعلك حارسا للدار والبركة، أو منتظرا ضمن الطوابير للآتي الذي لا يأتي على بساط..، بل يأتي من ركام السنين والعرق أو القفز ليس في الهواء، بل في الأرض وبكامل المظلات التي تحفظ وتقي.

هذه الأقدمية التي تتمرأى كما امرأة لا تشيخ، يسامرها المثقفون أيضا. لهذا ترى البعض يأتيك بلائحة كتبه وعناوينه في كل سيرة، بينما يبقى تواجده في الرف، غير موصول بدينامية ما، مرغوب فيها للتعبير عن أفكار وآراء بكامل اليقظة وفي كل لحظة، بل هو تواجد موسمي، للعبور إلى كرسي أو الحفاظ على صورة ما لا تتبدل ولا تتغير، لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من أمامها.

أعرف مثقفا لا يتكلم إلا في كتبه وبها، يخاف عليها من أيّ تقويض كأركان للاتكاء -أو كصحون البيت- معلنا إياها كورقة للثقافة العالمة والمتربعة بالنسق وفيه. أنا لا أكره الكتب التي تدحرجنا عوض أن ندحرجها؛ ولكن أكره منها تلك المنفوخة والتي لا تقول شيئا. وهكذا، ففي غياب الضوابط الثقافية والاعتبارات الأدبية؛ وبالتالي في ظل الاستسهال الاستهلاكي تتوالد هذه الكتب كالفطر، القريبة من ثقافة الاستهلاك المسطحة.

وآخر يصحب ويرفق اسمه دائما بالصفة الإطارية أو المجالية أو العلمية كأن هذه الألقاب فريضة، ويكفيك الأمر مرة واحدة لتسري الصفة دون أيّ انهيار ولو عصبي. الشاعر أو القاص محنة تتخلق في كل نص. وفي كل مقام أدبي. والمبدع الحق يحرس نسله المتجدد والهش كأنه يصغي لنبضه. إنها محنة ترافق المبدع الأصيل في الإصغاء والبحث الدائم، فيطول الفصل في الجحيم الذي يطهر بالمعنى الكامل، ويفضي جدلا لصفاء مأساوي في الإبداع والحياة معا. فلنتأمل المشهد.

وثالث يصر على صفة الكاتب الكبير، لإخضاع الأدب نفسه لثنائية تتغذى من العالم كل يوم: الكبير والصغير في كل شيء. فلا كبير ولا صغير في الكتابة –والكفاءة- وهي وحدها الكلمة الفصل. ومع ذلك فالكاتب الكبير لا يرتاح له بال إلا حين يسند حقيبته الكبيرة أيضا، ويحمل السنين والركام في ذاته؛ لتراه غدا موظفا كبيرا، وهكذا.

أكيد كلما مر الأدب عبر المؤسسة إلا ويخضع بمعنى ما، للتوظيف الأيديولوجي بالمعنى المتعدد للتوظيف الذي يصل إلى حد الهوى والوهم. الأديب هنا حين يجعل أدبه مطية، قد يسقطان معا في العالم الجاري.

المبدع ليس موظفا إداريا، بل هو نص متجدد ومتخلق، ضمن شبكة العلاقات والامتدادات الإبداعية والفكرية. ويغلب ظني أن النص حين يأتي من جسد هو في الواقع رغوة للمتناقضات والأوهام؛ سيتحول الجسد معها إلى شكل من أشكال العالم الذي يسعى النص إلى الخروج عن منطقه ومظهره. من هنا، فأيّ تراجع إلى الخلف، يظهر بسرعة في مسيرة الأديب. لأن هذا الأخير لا يبني منشآت ويتركها لحالها؛ بل هو مطالب بالتجدد الدائم واليقظة الحذرة للدفاع عمّا يكتب. وبالتالي الانتماء الرمزي العميق لهذه الكتابة نفسا وحياة. لأن البعض يتفّه المسيرات الإبداعية الخلاقة بجرّة قلم، إرضاء للأهواء والملل، عوض حقيقة الأدب أو المجرى المحفور على الجلد وفي الوجود أيضا.

غير خاف، أن “الأقدمية” بمعناها النمطي المتداول والمستهلك حملت الكثير من الأمراض والأعطاب لحياة الثقافة والأدب. أعني الأقدمية التي لا تكرس منطق البحث الدائم وما يقتضيه ذلك من زاد والوعي بتشعبات المسلك. هنا لا ندعو إلى سحب للأدب من الحياة والمجتمع؛ بل اللعب الحاذق في مساحته بكامل الصفاء والتحرر من الاختراقات والتدجينات التي تفرغ الأشياء من أصلها وأصولها؛ وتسوقها في القطيع، لمضغ الحقائق الجارية والمساهمة في بناء الكلام والخطاب الذي لا ينهار أمام أيّ شك أو سؤال أو احتمال آخر أكثر كثافة بالحياة كما الوردة في الإبداع أو البحر في الإناء.

البعض يعض على هذه الأقدمية في الثقافة أيضا، دون عطاء يذكر؛ ليستمر في التربع ضمن الوجود الثقافي دون النظر للماء الذي يجري “من تحت”. الماء الذي لا يجرف طبعا، بل يطهّر، لأنه يمر على الأشياء بردا وسلاما إلا من ذاك الوخز الذاهب للعمق، إن وجد.

بمعنى أن الهامش قد لا يبدو مهمًا في حساباته لفهم النصّ، لأنه في الكثير من الأحيان ينتقد النصوص المتخمة بالمصادر في الهوامش، وإن الكثير من المقالات والدراسات تكون فيه المصادر أكثر من المتن وأكثر من المحتوى، بل إن الكثير من الكتب تبدو أقرب للتحقيق من خلال ذكر الكثير من الأقوال والأفكار التي ذكرها باحثون ومفكّرون وفلاسفة ونقّاد وأدباء، وكلّ هذه الأقوال تكون لها هوامش فيبدو النصّ متخمَا بها مؤثرًا على سياقها بالنسبة إلى المتلقّي الذي يبحث عن الجديد في النصّ، مثلما يبحث عن عملية الربط بين الاقتباس وبين الجديد في النصّ، دون أن يبحث عن أهمية الهامش لأنه لن يعود إلى المصادر ليتأكّد. بمعنى أن ذكر المصادر في الهامش لها أهميةٌ كبيرةٌ للمتلقّي المختصّ أو الناقد أو الأكاديمي، كونه يمهّد له طرق معرفة ما اعتمد عليه المنتج في تكوين نصّه، وربما حتى في تناصّه مع نصٍّ آخر أكثر من المتلقّي الذي يبقى مشغولًا بحاصد النصّ في نهاية المطاف.

شاعر وكاتب من المغرب

عبدالغني فوزي

:: مقالات أخرى لـ عبدالغني فوزي

عبدالغني فوزي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر