الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

بورصة الشائعات حرب سياسية

الشائعة هي أزمة تحتاج إلى إدارة فعالة لتطويقها للتقليل من مخاطرها على أمن الفرد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، لأن الشائعة تهدد المجتمعات وتنخر قيمها وسلوكها، خصوصا في المجال الاقتصادي والمالي.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/01/08، العدد: 9432، ص(9)]

لم تعد الشائعة بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بمعزل عن ظروف نشأتها ومصادرها وبيئتها، فهي ترتبط بثقافة المجتمعات وسلوكها، وأنماط التفكير السائدة، وبالمصالح والأهداف للأفراد والمؤسسات والجماعات، وهي بهذا المعنى تأخذ شكل أقوال وأحاديث وروايات يتناقلها الناس دون التأكد من صحتها، بل دون التحقق من صدقها، وبمعنى آخر الترويج لخبر مختلق لا أساس له من الصحة أو له جانب ضئيل من الحقيقة.

وتزداد قوة الشائعة في المجتمعات عندما تكون هناك أهمية لخبر يحقق رغبات الناس أو يرتبط بمصالحها، أو إنها شحنة من الأماني والآمال التي تعبر عن الرغبات التي يأمل الإنسان حدوثها، ويعجز عن تحقيقها، كما تزداد الشائعة في الظروف الغامضة والمتناقضة، حيث يبحث الإنسان عن الحقيقة وسط حالة الغموض والسرية للأحداث والأخبار والمعلومات.

وإذا كانت الشائعة وسيلة من وسائل الحرب النفسية التي استخدمت في مجال السياسة والحرب والدبلوماسية، فإنها استثمرت بشكل خطير في المجال الاقتصادي وافتعال الأزمات عبر التاريخ الإنساني، فكانت الأقسى والأخطر في عملية التخريب: تخريب اقتصادات الدول وتدميرها، وافتعال الأزمات الاقتصادية، وتخريب عقل الإنسان وتنميطه باتجاه سلبي، وفق منهجية علمية معقدّة لتكوين ثقافة اقتصادية قائمة على خلق الأوهام والشكوك واليأس والاستهلاك والجشع والأنانية، لذلك فإنها تلجأ إلى المثيرات النفسية أكثر من اللجوء إلى العقل، وإلى الحيل المتداخلة، لتغيّب المنطق، حيث غلبة الشعور والعواطف على لغة العقل ومنطقه.

والشائعة هي أزمة تحتاج إلى إدارة فعالة لمحاصرتها وتطويقها للتقليل من مخاطرها على أمن الفرد سياسيّاً واجتماعياً واقتصادياً، لأن الشائعة كأزمة تهدد المجتمعات وتنخر قيمها وسلوكها، خصوصاً في المجال الاقتصادي والمالي.

وما نشهده في مجال بورصة الأسواق المالية، هو تجسيد لفعالية الشائعات في عملية “خلق الأزمات” و”صناعة الصفقات” و”تمرير المعلومات” لأهداف بعضها مرتبط بمصالح المؤسسات والشركات، والآخر مرتبط بطبيعة تحرك الأسهم والبورصات والمضاربات، إضافة إلى البعد الإعلامي، وما تثيره أجهزة الإعلام من معلومات اقتصادية مصادرها لا تمتلك الشفافية والصراحة، أو إنها تحاول تمرير المعلومات لأهداف خاصة.

ويمكن القول أن الشائعة في الأسواق المالية تتخذ أكثر من صورة واتجاه:

1 - تنتشر في أوقات الأزمات بأنواعها، بسبب افتقاد بيئة السوق المالي إلى معلومات واضحة، ووجود غموض يكتنف سير عملية البورصة.

2 - تتخذ الشائعات أحيانا بلغة العلم صورة “الشائعات الزاحفة” التي تروج ببطء، ويتم تداولها بين الناس همساً وبطريقة سرية، وتنتهي في نهاية المطاف إلى أن يعرفها الناس جميعاً، أو تتخذ صورة “الشائعات الغامضة” التي تغوص ثم تظهر مرة أخرى عندما تتهيأ لها الظروف المناسبة والمساعدة للظهور.

3 - ترتبط الشائعات بمعلومات مستقاة من مصادرها الأصلية كالمؤسسات والشركات وأسواق المضاربات، لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية.

4 - نشر الشائعات في الأسواق المالية يرتبط بخصائص الأشخاص الذين يميلون إلى نشرها لأسباب تتعلق “بحب الظهور” أو”تعويض النقص لديهم سايكولوجيا” و”إسقاط النزعات الشخصية” كوسيلة تعبر عن المخاوف والرغبات الشخصية الداخلية، إضافة إلى عامل “الأمل في الاطمئنان” بحيث يتداول الشخص الشائعة أو يسهم في نشرها، ليشارك الغير في الانفعال الذي يشعر به كالقلق والخوف.

5 - تظهر الشائعات بقوة عندما تبدأ المؤسسات والشركات في تأخير إعلان أرباحها السنوية للمستثمرين، حيث تكون البيئة جاذبة لها، وتطرأ على محتوى الشائعة تشويهات عدة، خلال نقلها وترويجها، مما يؤثر في التحرك السعري للأسهـــم بين الارتفـاع والانخفاض والتذبذب.

6 - أداء الأسواق المالية يرتبط في كثير من الأحيان بالمتغيرات الاقتصادية الرئيسية في الاقتصاد الوطني، مثلما هو مرتبط بصناعة الشائعات التي تظهر كعامل فعّال في هذه الأسواق، بحيث يمكن لها أن تغير أوضاع الأسهم سعريّاً، وتقلب المعادلة الاقتصادية كحقيقة علميّة.

7 - الشائعات تنتشر من خلال الاتصال الشفهي باعتباره أكثر قوة وانتشارا وتأثيرا في مجتمعاتنا، لكن التطور التكنولوجي في الاتصال والإعلام ساعد على انتشارها من خلال استعمال وسائل اتصال مريحة وسريعة كالفضائيات والأنترنت والهاتف المحمول، لذلك نشهد بقوة ظاهرة “الرسائل الإلكترونية القصيرة” والمكالمات الهاتفية في نقل الشائعات داخل الأسواق المالية.

8 - دور “المحلل الاقتصادي” أو “الخبير المالي” في صناعة الشائعة بقصد أو بغير قصد، من خلال تحليله لحركة الأسهم والأسواق، والتي تؤدي أحيانا إلى صناعة معلومة جاهزة للمتلقي، تتحول إلى شائعة، وتأخذ مبدأ “اليقين” في مدارك الفرد دون أن يكون هناك جدل منطقي لمحتوى المعلومة.

9 - جهل الكثير من المستثمرين بقوانين السوق المالي، وبأبجديات لعبة الربح والخسارة، ونقص في المعلومات عن الشركات والأسهم، وكلها عوامل جاذبة في نشر الشائعة وتصديقها والتأثر بمضامينها، وهي سبب في هدر الكثير من أموال المستثمرين، وخسارتهم المادية والمعنوية.

والسؤال: هل يمكن تحصين المستثمر من حروب الشائعات؟ ومدى تأثير الإعلام في التقليل من الشائعات وتدميرها؟

معلوماتيّاً، فإن حصانة المستثمر ترتبط بعوامل معلوماتيّة وثقافيّة واجتماعيّة، وهذه العوامل تتحكم فيها عناصر قيميّة وسلوكيّة، لها تأثيراتها الواضحة في متلقي الشائعة. فالبيئة التي يتعامل معها المستثمر ينبغي أن تكون بيئة شفافة، بمعنى تقديم المعلومات الواضحة إلى المستثمر، وتزويده بالأرقام وخطط الشركات والمؤسسات، لأن الشائعة تظهر دائما في البيئة الغامضة والمتناقضة، وتزداد قوتها وانتشارها عندما تكون المعلومة ناقصة وغامضة.

كما ينبغي للجهات المسؤولة إصدار قوانين رادعة بحق المؤسسات التي تروج للمعلومات الكاذبة وتختلق الشائعات لتحقيق مصالحها. كما تزداد الشائعات عندما يكون المستثمر جاهلاً بأبجديات السوق المالي وقوانينه وآلياته، وقتها يكون حريصاً على تقبل الشائعات وتطويرها، واتخاذ قراراته على أساس مضامينها. بل إن الكثير من الشائعات في الأسواق المالية هي من صنع “المستثمر الجاهل”.

إعلامياً، فإن وسائل الإعلام تمثل أحد أهم جوانب دارسة الشائعات، فهي تؤثر بقوة في ظهورها وانتشارها وتداولها، وكذلك في إمكانية الوقاية منها، أو مصادرها والقضاء عليها.

ومن الطبيعي أن يزداد دورها في التأثير وتشكيل الرأي العام من خلال نقل الحقائق والمعلومات عن الأحداث والأزمات، لأن حماية المستثمر من الشائعات ترتبط بصدقية وسائل الإعلام الوطنية، وكلما فقدت هذه الصدقية أدى ذلك إلى انتشار الشائعات من خلال لجوء المستثمر إلى المصادر الأخرى المرتبطة بمصالح الآخر.

تزداد قوة تأثير الإعلام في المستثمرين عندما تكون المصادر ذات صدقية وعلميّة، والمرتبطة بشخصية المتحدث ووسيلة الإعلام، وهذا يعني ضرورة بناء الخبر الاقتصادي على أسس المعلومة الصحيحة والدقيقة، والحذر من نشر الأخبار الغامضة وغير الواضحة، لأنها قابلة للتأويل، وستتحول إلى شائعات يروجها المستثمر والشركة على حد سواء، مثلما تكون أحيانا الشائعة مصدرها “المحلل الاقتصادي” أو “الخبير المالي”، بسبب أفكارهما المتناقضة، واجتهاداتهما غير العلميّة، وإطلاقهما في تقييم المعلومات، وانحيازهما لجهات على حساب جهات أخرى.

وبالتأكيد فإن لوسائل الإعلام الدور البارز في عملية التوعية والتثقيف الاقتصادي والمالي، وفي تحديد وإعادة المتطلبات الثقافية وقواعد السلوك لدى الأفراد والجماعات، ومحاصرة الشائعات وتفنيدها، ولكن تطور وسائل الإعلام لا يؤدي دائما إلى القضاء على المناخ الاجتماعي أو النفسي الذي يولدها، لأنها حاجة نفسية واجتماعية يلجأ إليها الفرد لأسباب عديدة ترتبط بشخصيته وثقافته وبيئته الاجتماعيّة.

باحث وأكاديمي مقيم في الامارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر