الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

تلك الصحائف أولئك المحبرون

أدهشني الفارق بين حياء الأمس وقِحّة اليوم، بين سلام الذين أسلموا أجسادهم الفانية إلى التراب، وجحيم الذين يطلقون أرواحهم الفانية في الصور.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2014/01/12، العدد: 9436، ص(11)]

ثمة شيء يتغير في دنيا الأدب ودنيا الناس، ثمة أشياء كثيرة تتغير، هنا وهناك في خطابات الكتابة، وفي لغة الشارع، في نبرة الكتاب، وفي ملامح الناس. خفتت أصوات الشعراء، وتوارى هؤلاء بعيدا عن الحرائق.. وكانوا من قبل قد ملأوا الصحائف زهوا بذواتهم، وهجاء لصور البشر مطرقين رؤوسهم يرسفون في أغلال العبودية. هجاء مرير للجموع الذليلة، مقابل تيه وهيام بالذات المبدعة ونظرات متعالية وجهها الشعر والأدب العربيان نحو هذه الجموع، ولهذه الصور رصيد كبير في الصحف والصحائف المطبوعة والمهملة في مكتبات الشعر والأدب يأكلها الغبار في عالم عربي عرفت نخبته ضياعا عن الناس طال أمده.

الصور تأخذني إلى الصور، والأمثلة تحيلني على الأمثلة. في 7 يناير 1908 نشرت مجلة "فتاة الشرق" وهي مطبوعة نسوية كانت تصدر في القاهرة رسالة وصلتها من الأديبة المعروفة يومذاك هند نوفل جاء فيها: "إلى حضرة الأديبة الفاضلة صاحبة مجلة "فتاة الشرق" المحترمة، قرأت في مجلتك الغراء الصادرة في العدد الماضي مقالتك عن المرحومة والدتي فأتيت بهذا الكتاب لأقدم لحضرتك مزيد الشكر على ذلك، ولأرجوك بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن شقيقتي بأن تضربي صفحا عما وعدت به قرّاء مجلتك من الكتابة عنا، لأننا لسنا من أهل العلم وبذلك تزيديننا ممنونية. ودمت للداعية لك".

أثارتني هذه الرسالة، لا سيما وأن صاحبتها من رائدات الكتابة في الوطن العربي، ومصدر الإثارة ليس في ذلك التواضع، ولا في تلك اللهجة الحيّية التي كتبت بها الرسالة.. وهما تواضع وحياء أصيلان، وإنما فيما انعقد لديّ على الفور من مقارنة بين سلوك الكتّاب العرب اليوم وكاتباتهم، وسلوك كاتبة الأمس هند نوفل. فنحن، اليوم، نشهد طوابير من الكتّاب الذين رفعوا صورهم في إطارات ذهبية، وخرجوا يفتشون عن حوائط يعلقونها عليها، ولكن هيهات أن يجد الكاتب النرجسي العربي حائطا واحدا واقفا يعلق عليه صورته، ولا حتى حائط مقبرة! فقد تمكن العرب خلال القرن العشرين من تدمير كل ما يمكن أن يلوح واقفا من البشر والشجر والحجر، وكَسْر الحدود بين مدينتي الأحياء والموتى، وتحويل كل شيء إلى هباء! والغريب أن الكاتب العربي الذي لا يجد حائطا لصورته الكريمة وإطارها المذهّب، لا يتوقف، سنة بعد أخرى، عن إضافة أشبار جديدة إلى إطار صورته، حتى صار الإطار أفخم من الصورة، وهو ما يجعل مهمته المستحيلة في تخليد نفسه أكثر استحالة!

أدهشني الفارق بين حياء الأمس وقِحّة اليوم، بين سلام الذين أسلموا أجسادهم الفانية إلى التراب، وجحيم الذين يطلقون أرواحهم الفانية في الصور.

الخلود: أهو مرض عصري أم مأساة قديمة؟

ولكن، ما الخلود في أمة تتهاوى ولا تجد قاعا لهاويتها، وتتهاوى، ولا يشفق عليها حتى الحضيض، ولا تجد عزاء حتى من حفّاري القبور! ما الخلود لكاتب في أمّة تعد بالملايين، وقرّاؤها يعدّون على الأصابع. أمّة لم يولد قرّاؤها بعد!

لعل الخلود يكون في أن نكون حديثين فيشفع لنا المستقبل ما أن نحسب عليه!

ولكن ما المستقبلي في أمّة يبدو كتّابها الحديثون كالأبجدية الهيروغليفية قبل العثور على حجر الرشيد! كتّاب مجهولون حتى من زوجاتهم وأمهاتهم وإخوتهم وأخواتهم.. أما أبناؤهم وأحفادهم فهم أبناء التلفزيون وضحايا الصور. وقد يقف كاتب أمام المرآة فلا يتعرّف نفسه! أما المعجبون بهم فهم إما ندرة منهم احترفت الكتابة، أو قلة ممن يريدون أن يصيروا كتابا. وهؤلاء بعضهم يتوهّمون بأنهم يفهمون، وبعضهم يتظاهرون بذلك! وجميعهم يشتركون في وهم أن الكتابة تغيّر العالم وكتّابها يفوزون بالخلود. كيف، إذن، نتعرّف أصحاب البصيرة من الواقعين في الوهم، وبأية موازين نزن الرؤية الخارقة للوجود، من السراب الخادع؟

نعود إلى الخلود. فهو مطمح الكثرة، و"المأوى الافتراضي" لقلة قضت نحبها، وتحولت إلى سطور في مؤلفات قلما تُقرأ. هل الخلود، حتى لعباقرة العالم، إلا سطور عابرة في معجم الوجود البشري، وما المتطلع إليه إلا يائس من جمال الأشياء العابرة، أو مريض بفكرة الزوال؟!

بعد ذلك ما القول في كتّاب حبّروا آلاف الصفحات وظلّت بيضاء، ولكن لا نور فيها بل كلمات فاترة؟ وتراهم يستدرجون الكتبة ليكتبوا فيهم مقالات، ويستنطقونهم في الأحاديث، ويستخرجون لهم الصور، ويملأون بهم الصحف، ويلوّنون بهم المجلات، ويُنطقون بهم الراديو، ويحتلون بهم شاشات التلفزيون.. ثم ما أن يواريهم الحفّارون في القبور، حتى يتوارى معهم كل هذا.. ولا يبقى منهم سوى الاسم. أما الكتابة التي تركوا فهي أسرع عطبا وتحلّلا وزوالا من أجسادهم الفانية.

عرفت كتّابا كتبوا كتبهم، واصطادوا - بطرائق عبقرية- صحافيين قرّظوها، وآخرين هاجموها، ليستدرجوا، من بعد، آخرين غيرهم يردون عنها الهجوم، وغيرهم ليحللوا ويناقشوا الموقفين، ومن ثم لجأوا إلى مؤرخين ليستخرجوا التناقض والصراع من تضارب الآراء واختلافها حول كتابتهم! وأخيرا استعانوا بمؤرشفين ليؤرشفوا لهم كل هذا الركام اليومي من الجدل والسجال، ومن ثم أكاديميين يتعاملون مع الأمر المتعلق بهم، برمته، بصفته جزءا من حيويتهم الأدبية والفكرية، ليكلف هؤلاء بدورهم - متسلحين بسلطة المعلّم الخائن- طلابهم النجب بوضع رسائل أكاديمية حول هذا وذاك من أصحاب الأسماء الأدبية، أهل "التراكم اليومي" للعب، الذي يؤدي إلى "مكانة رفيعة" في الأدب. وذلك يحدث من دون أن يرفّ لهؤلاء المعلمين جفن في ضمير، أو يخز ضمائرهم شعور بالإثم. فالكتابة، في النهاية، لعبةٌ اجتماعية، والمشاركون فيها أصحاب أدوار وحاملو أقنعة!

والنتيجة تراث من "الإنشاء الحديث" الصادر، في جانب أساسي منه، عن أوجاع الرغبة في الخلود لدى كتّاب يتطلعون إليه بصفته الهدف المرسوم لهم منذ البداية! فلنعد إذن إلى البداية، ولنقرأ رد السيدة لبيبة هاشم صاحبة مجلة "فتاة الشرق"على رسالة الكاتبة هند نوفل المعروضة سنة 1908 عن لعبة المجد الزائف، وكلٌّ من صاحبة الرسالة وصاحبة الجواب عنها باتتا خارج عالمنا الفاني، وهما على الأرجح ترقدان في سلام.

واليوم، بينما يكتب الشباب الثائر على التخلف والاستبداد صفحات الحرية مبللة بالدم، فإن أعيننا تتجه صوب ما يولد هنا وهناك من خطابات جديدة في الأدب والفكر والفن تمحو صفحات اليأس من الذات والعالم، ويولد معها الأمل بجمال جديد تتفتح أزهاره المبتكرة في الشعر والسرد، وفي لغة التفكير، لا يرى إلى الذات بعيدا عن عالمها، ولا أسيرة ماضيها، ولا منسحقة أمام آخر قوي، ولا غريبة عن جوار حيّ يتطلع بدوره إلى الخلاص من الاستبداد، وبلوغ أرض الحرية. خطابات المستقبل تولد مع خطوات الأحرار المتجهة نحو أهدافها الرفيعة، إنها خطابات تأتي من المستقبل. أما اللغة الميتة التي كتب بها الشعراء والكتاب المرضى بذواتهم، فلسوف تطوى، ولن يبقى منها سوى ذكريات شاحبة عن زمن شاحب.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر