الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

ترييف القصيدة الشعرية

في مرحلة لاحقة ومع استشراء مظاهر الفساد سوف تلغى تلك الحدود التي رسمها هؤلاء الشعراء بين عالمين متناقضين تماما، وهو ما سيجعل بعض هؤلاء الشعراء يعيدون صياغة موقفهم من الريف.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/01/14، العدد: 9438، ص(14)]

ليس من قبيل المبالغة القول بأن ترييف القصيدة الحديثة في سوريا قد سبق محاولات نظام البعث، لا سيما في ظل حكم الأسد الأب لترييف المدينة.

اتخذت ظاهرة ترييف القصيدة عند شعراء ما يسمى بجيل الستينات مظهرين اثنين، تمثل الأول في هجاء المدينة ونعتها بشتى النعوت القاسية، باعتبارها رمزا للسقوط والإغواء والزيف، أفقد مثقفي الريف عذريتهم الريفية وصدقهم الثوري ونقاءهم، بعد أن فتنتهم بملذاتها ومغرياتها.

هذا الهجاء المعبر عن وعي ريفي ساذج قائم على الثنائيات الضدية (ريف× مدينة) كان في جزء منه امتدادا لظاهرة شعرية سادت تجربة الشعر العربي الحديث منذ السياب، لكنه في سوريا تعمَّق أكثر بفعل تأثير هزيمة حزيران على هذا الوعي الشعري المأزوم لشعراء الريف القادمين إلى المدينة، والذين لم يستطيعوا التحرر من مخيال ثقافتهم المعادية للمدينة.

لكن الغريب والمفارق أن هزيمة يونيو لم تكن من مسؤولية أبناء المدينة، بل تتحملها السلطة التي هي من أبناء الريف الذين كانوا يحكمون البلاد في ظل “ثورة” البعث.

وعلى خلاف هذا الموقف العدائي تجاه المدينة، لم يحاول أيّ من هؤلاء الشعراء أن يترك المدينة، ويتحرّر من سطوة إغوائها وفتنتها، التي كانت تغرقهم في “حمأة فسادها”، بل ظلوا يتصدرون واجهة العمل الثقافي والإعلامي في مؤساسات الدولة الثقافية والإعلامية، التي كانت مسؤولة عن تلك الهزيمة المريعة.

هذه المفارقة في وعي وسلوك هؤلاء الشعراء لن تتوقف هنا، بل ستمتد وتأخذ أبعادا أوضح وأعمق تتمثل في مظهرها الثاني، الذي كان يقوم على توظيف مفردات وعبارات من التراث الشعبي الريفي في قصيدتهم ناهيك عن تلك الغنائية المنسرحة، دون أن يدور في خلد هؤلاء الشعراء أن هذا الاقحام لتلك المفردات ليس أكثر من عمل فلكلوري لم يمنح القصيدة أيّ قيمة جمالية.

وفي حين كان يفترض بهؤلاء الشعراء أن يعيدوا قراءة تجربتهم من موقع نقدي يعبر عن تطور وعيهم الجمالي، ظل هؤلاء الشعراء مصرين على محاولات ترييف قصيدتهم، كما تبدّى ذلك في استخدام العديد من المفردات الريفية منها مفردات “الحاكورة- القرية- الأمثال الشعبية” التي شاع استخدامها في قصائدهم. لقد كان هذا الوعي الشعري البسيط يعتقد أن استخدام هذه المفردات، يمكن أن يمنح قصيدتهم هويتها الاجتماعية، ويعبر عن التزامها الاجتماعي بقضايا الفقراء والبسطاء، في الوقت الذي كانت فيه عمليات ترييف المدينة تتمّ بشكل واسع وكبير، حتى جرى ابتلاع المدينة ومحو هويتها الثقافية والاجتماعية، على حساب الريف المهمل.

في مرحلة لاحقة ومع استشراء مظاهر الفساد سوف تلغى تلك الحدود التي رسمها هؤلاء الشعراء بين عالمين متناقضين تماما، وهو ما سيجعل بعض هؤلاء الشعراء يعيدون صياغة موقفهم من الريف الذي أصبح طغاته شركاء لطغاة المدينة في الفساد وسقوط أحلام التغيير والتقدم. المفارقة الأخرى ترافقت مع استشراء عملية ترييف المدينة، وتجلت في ترييف الثقافة السورية والتي برزت من خلال صعود حالة جديدة تجلت في تعويم ظاهرة الأغنية الريفية، التي كان المطرب علي الديك في أغنيته الشهيرة “الحاصودة” وما تلاها، نموذجها الأمثل، بعد أن تـمّ استقدامه من عمله كمرافق لسيارات الأجرة على خط جبلة، ليكون مطرب سوريا الأول، وتسخر لأجل انتشاره جميع وسائل الإعلام السورية.

لقد بدا واضحا محاولات إعادة تشكيل المزاج الطربي وفقا لهذه المرجعية؛ الثورة السورية التي انطلقت من الريف ووجدت صداها المباشر في أحزمة الفقر على تخوم دمشق وفي قلبها أثبتت فشل تلك السياسات الاستبدادية لسلطة أفقرت الريف والمدينة معا بعد أن نهبت ثروات البلاد والعباد وجعلتهم ملكية خاصة بها.

* كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر