الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

العرب بين جنيف السوري وأوسلو الفلسطيني

بين جنيف السوري وأوسلو الفلسطيني، وجع عربي متجدد، بدأته ثورات أريد لها أن تخلع عباءة الجهل والفساد لترتدي رداء الفرقة والاقتتال والخيانة.

العرب أحمد القدوة [نُشر في 2014/01/25، العدد: 9449، ص(9)]

جلس العالم طويلا يتابع مصدوما مسلسل الدماء والأشلاء المتناثرة في سوريا منذ قرابة الثلاث سنوات، ولا يحرك ساكنا لوقف المجازر ولا ينطق رفضا لعمليات القتل الممنهج، ويبدو أنه اعتاد على “الاستنكار والتنديد والإدانة”، وهي ثلاثية لا تريد مفارقة الهم العربي الذي طالت انتظاراته من الغرب، “القدوة” المحافظة على حقوق الإنسان!.

لا فرق بين ما يجري اليوم في مؤتمر جنيف الثاني، وما جرى قبل عشرين عاما في أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في الأمس كان الفلسطينيون يتخندقون خلف طاولة المفاوضات مع مجرم اقتلع الأرض والهوية، والآن السوريون يجلسون أمام نظام يسعى إلى اقتلاع كل شيء من أجل بقائه في السلطة.

نظام يوزع الاتهامات شمالا وجنوبا زاعما أن حربه قائمة على الإرهاب، تماما مثلما فعل جزاّرو إسرائيل، وكأنه اليوم يحاول اختصار كل الدمار والخراب في تنظيم “داعش” والتنظيمات المتشددة الأخرى. هذا النظام لم يتوان عن استغلال هذا “الحدث العالمي”، أي مؤتمر جنيف 2، في شحذ همم المستضعفين العرب، لإظهار نفسه على أنه “النظام العربي المدافع عن الكرامة والشهامة في وجه أعداء الأمة”، مثلما فعل وزير الخارجية وليد المعلم في كلمته الافتتاحية.

عشرون عاما مضت على أوسلو، ولا يريد العرب إعادة إنتاجه مرة أخرى في جنيف، لتصبح قضيتهم مجرد مؤتمرات وشعارات فارغة، لا تعيد الأمن والسلام للأبرياء الذين يدفعون ثمن حرب “الكراسي والسلطة”، ويوضعون على قائمة التصفيات لمجرد مطالبتهم بإنهاء الاستبداد والهمجية السلطوية.

في جنيف السوري لا مكان للمناورات السياسية وتصفية الحسابات إذا كان المؤتمر مخصصا لإنهاء أوجاع الشعب السوري وهمومه، ولا مجال لتضييع الوقت في محادثات “تجميلية” للنظام أو للمعارضة على حد سواء. في السابق استكان العرب كثيرا للإملاءات الإسرائيلية في مفاوضات ما تزال إلى يومنا “متعثرة”، ولا يرجو ملايين العرب أن تبقى مفاوضات “جنيف” السورية لسنوات مقبلة تحت بند “التعثر” لأن نار الأزمة الملتهبة، منذ مارس عام 2011، لفحت جيرانها بالتفجيرات والاقتتال واللاجئين، سواء في لبنان أو الأردن أو العراق أو تركيا.

ما يبحث عنه السوريون هو إنهاء “الاستبداد والقتل” وإزاحة رئيس لم يقبل يوما الالتفات إلى مشكلات شعبه، بل تمادى في غيّه وقتله للأطفال في أكثر من مناسبة طوال عمر الأزمة. بشار، الذي يتمسك به نظامه رئيسا لسوريا (مدى الحياة أسوة بوالده)، لم يرسل وفده إلى سويسرا لإنهاء مأساة تتحول يوما بعد يوم إلى “كارثة كبرى”، وتهدد أمن منطقة الشرق الأوسط والعالم بأكمله. بل بالعكس فهو يريد “استثمار”عامل الوقت في محاولة لإقناع دول غربية بشرعية “الحرب على الإرهاب” ودعوتها للمشاركة فيها.

يبدو أن نظام الأسد لا يملك رؤية للحل أو لإنهاء الأزمة، التي فتّتت سوريا إلى دويلات (دولة الأسد وميليشياتها الطائفية، ودولة المعارضة، ودولة داعش المتطرفة)، ويصرّ على تجاهل أن الخاسر الوحيد في هذه “المعركة” هو المواطن السوري البسيط الفار من “براميله المتفجرة” وقصفه الهمجي وقتله الدموي وآلة نظامه الاستبدادية، إلى جحيم اللجوء وويلات التشرد والجوع.

لن ينسى العرب بالتأكيد “المواقف المتذبذبة والمترددة والفاشلة” للدول الغربية في تعاملها مع قضاياهم، ويبدو أن توقعات نجاح مؤتمر «جنيف 2» محدودة. لن ينسى السوريون أيضا، الثلاث سنوات المرة، التي عاشوا كل تفاصيلها على وقع حرب ميليشيات مأجورة على غرار حزب الله والحرس الثوري الإيراني وداعش والنصرة ومشتقاتها. فالمؤتمر الدولي، الذي ستنتج عنه جولات تفاوضية بين النظام والمعارضة لن ينجح في هدفه دون “الحصول على تعهد بترك الأسد للسلطة”، وإلا فإنه سيكون مؤتمرا شكليا وصوريا لا يحقق ما يطلبه السوريون أنفسهم.

بين جنيف السوري وأوسلو الفلسطيني، وجع عربي متجدد، بدأته ثورات أريد لها أن تخلع عباءة الجهل والفساد لترتدي رداء الفرقة والاقتتال والخيانة، أيْ خيانة مبادئ الوطن والوطنية، من أجل هدف وحيد هو الاستيلاء على الكرسي بأية وسيلة كانت، حتى وإن تحالف أبناء الوطن الواحد مع الشيطان.

كاتب صحفي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر