الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

صراع الاستراتيجيات في العراق وسوريا والمستقبل الغامض

لو افترضنا أن الأميركان أعلنوا نهاية حربهم على الإرهاب، فماذا سيستخدم الحكام المحليون من شعارات يستعطفون من خلالها الدعم الأميركي؟

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/01/27، العدد: 9451، ص(9)]

لعل أكثر ما يثير الانتباه في مؤتمر جنيف 2 ليس الاهتمام الدولي العالي بقضية الصراع المسلح في سوريا للوصول إلى حل سياسي مقبول لدى شعب سوريا صاحب المحنة، وإنما ما شكله المسرح الدبلوماسي في جنيف من استعراض وتسويق غير مسبوق لمستجدات العلاقات الدولية ومصالح الدول الكبرى والتغيرات الجوهرية في مواقع الزعامة والنفوذ في المنطقة. فقد أسدل الستار على زعامة الدولة المتفردة الأولى في العالم، وقُدمت الخلاصات وارتفعت الشارات على أكتاف دول وقوى كانت قبل عقد من الزمان لها حكاية أخرى في المكانة كموسكو وطهران..

وإذا كانت عملية توزيع المصالح والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط لم تنجز بعد، ويبدو أنها لم تحسم أدوار أو حصص القوى الفاعلة فيه في ظل تفاعلات ساخنة وتشابكات معقدة. فإيران مصرّة على انتزاع مكانة كبيرة في النفوذ، وتركيا التي اندفعت لدغدغة العواطف العربية الإسلامية قد تراجعت، في وقت تستسلم واشنطن لنفوذ إيران الهائل في كل من العراق وسوريا وجزء من لبنان، وقدراتها على التأثير “المذهبي” في كل من اليمن والبحرين، في استثمار غير مسبوق للحالة الأميركية التي تقف الآن على منطقة رخوة، ولكي تعيد موسكو ما فقدته في ليبيا والعراق على مذبح شعب سوريا.

لقد أدت سياسة أوباما إلى ارتباك وتراجع في كثير من الملفات الكبرى قد يصلان إلى إحراج السياسة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة والعالم. وقد ظهر ذلك في تقاطعات السياسة الأميركية مع السعودية وبلدان الخليج في الملف الإيراني. مع أن إيران في ظل حكم روحاني تسعى وتطمح إلى تفاهمات مع السعودية للوصول معها إلى نقطة الاعتراف بنفوذها في المنطقة. ويبدو أن تفاهمات طهران واشنطن في الملف النووي تفتح صفحات جديدة في ملفات جيوسياسية أخرى، ومن بينها مرونة إيران في موضوع حزب الله، والسماح لها بتوسيع حقول النفط إلى ما وراء الحدود المشتركة مع العراق مقابل ضمانها أمن تدفق النفط الذاهب إلى أميركا وأوروبا عبر مضيق هرمز. نعم مثّل العراق منذ عام 2003 التجربة المرة لأميركا التي أدمت مكانتها المتفردة، حين انكشفت أمام العراقيين حقيقة دعوتها لبناء الديمقراطية بقيام نظام سياسي طائفي فاشل مزق العراقيين على أعقاب نظام ديكتاتوري مستبد، لكن البلد كان معافى من الاحتراب الطائفي والانهيار الأمني. كما اكتشف المحتلون الأميركان صلابة الشعب العراقي وشجاعة أبنائه في “مدينة الفلوجة” والتفاوت الكبير بين الشعب وبين السياسيين الذين اختارهم بريمر واستمروا في الحكم إلى حد اللحظة. ورغم حديث الأميركان عن أمجاد بنائهم للنظام المحلي العراقي الأمني والاستخباري لمدة ثماني سنوات، أنفقوا خلالها المليارات من قوت الشعب العراقي، إلا أنهم اليوم محبطون- حسب تعبير رئيس أركان الجيش الأميركي- من النتائج التي تواجهها القوات المسلحة العراقية في فشلها للقضاء على مجاميع تنظيمات القاعدة العائدة من جديد متسللة من سوريا إلى الأنبار العراقية حسبما تقول المصادر الرسمية العراقية.

المستنقع العراقي أصبح أكثر إيلاما من مستنقع فيتنام الذي خسرت فيه أميركا حربا عسكرية، أما في العراق فقد خسرت استراتيجيتها في المنطقة ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعت قاعدته ومنطلقاته من هذا البلد. وللأسف الشديد بدلا من أن يقطف العراقيون ثمار الفشل الأميركي لتنتصر إرادتهم في بناء نظامهم السياسي المستقل الذي يحمي هويتهم ووحدتهم، كان عائد الفشل الأميركي نظاما سياسيا فاشلا لم يتمكن إلى حد هذه اللحظة من بناء مقومات الدولة المدنية الحديثة، مع انتصار ساحق لنفوذ إيران في العراق وضمانها بقاء اختلال التوازن السياسي فيه، وبرضى ودعم أميركيين واضحيين. ولعل هذه المعادلة هي التي وفرت للمالكي استلامه للحكم مرة ثانية عام 2010 وانتزاعه من إياد علاوي الخارج عن المعادلة الأميركية الإيرانية، ليفتح معركة عسكرية في الأنبار بعد تجاهل الحقوق المدنية المشروعة، هذه المعركة المفتوحة التي تستهدف أرواح المدنيين الأبرياء تحت شعار محاربة “الإرهاب” المرتبط بتنظيم القاعدة وعناوينها المتجددة، مع أن هذا التنظيم الهلامي الخطير هُزم في العراق على أيدي أبنائه وليس بالطائرات والصواريخ والمدفعية، لكنه يعود اليوم لأسباب جيو- سياسية واضحة هي الاختلال السياسي والفشل الأمني وتفكك بنية النظام إلى ولاءات طائفية وعرقية. في العراق وخلال سنوات الاحتلال الأميركي، وحتى قبلها، أغلقت أميركا جميع النوافذ والبوابات على أصحاب المصالح والنفوذ الإقليميين والدوليين، لقد منعت السعودية منذ عام 1995 من التعاطي مع الملف العراقي وكذلك فعلت مع تركيا عقوبة لها على عدم سماحها بأن تجعل أراضيها وأجواءها ممرا لقوات الاحتلال العسكري عام 2003. أما إيران، فقد فرضت على الأميركان فرصها اللوجستية داخل العراق، وأعلن مسؤولوها بأنهم جاهزون لملء الفراغ الذي يتركه خروج المحتل الأميركي. وهذا ما حصل بعد نهاية عام 2011، حيث تشير تقارير صحفية كثيرة إلى دخول قوات للحرس الثوري الإيراني مدعومة بميليشيات مسلحة في بعض مناطق العراق.

لقد كشف التقهقر العسكري الأميركي عن نقطة التحول الاستراتيجي الكبرى لدى أوباما، رغم الفظائع التي ارتكبها مرتزقة الجيش المحتل في سجن أبي غريب، وعمليات التمثيل بجثث مقاومي الاحتلال وحرقها حيث كشفتها الصحافة الأميركية قبل أيام. وكانت التجربة القاسية للأميركان في العراق مبررا لإدارة أوباما لمهادنة طهران، والقبول بمقايضات اللعبة في سوريا رغم جسامة المأساة السورية وفظاعتها التي فاقت التصور، مع أنها تضاف إلى السجل العراقي في ميدان طلب الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

في الحالة السورية انفتحت جميع الأبواب، دخلت القاعدة التي طردها شعب الأنبار العراقي الأصيل، والذي لم يكافأ من قبل المنادين بمحاربة القاعدة، بل عوقب بالقتل والتهجير في أسوأ سياسة أمنية يديرها الحاكم المالكي. في سوريا تم جلب تنظيمات القاعدة والمتطرفين من جميع بقاع العالم، لكي تدخل هذه التنظيمات الإرهابية كطرف في المعادلة اللوجستية للصراع السياسي حول السلطة والحكم، والتي تقوم على أساس صراع مذهبي لم تشهده سوريا من قبل، ودخل لاعبون صغار وكبار في الساحة السورية، واستفاق الدب الجريح لكي يستثمر وبدهاء سياسي التراخي الأميركي في ظل قيادة أوباما. لقد تداخلت المطامع والآمال المنبعثة من جديد في لحظة تاريخية فريدة حين تبدأ القمم بالاهتزاز والتراجع، وكان الاستثمار الأبشع على الشعوب هو اقتناص حكامهم المستبدين عناوين وشعارات كان لها تأثير في سيكولوجية الإدارة الأميركية في محاربة الإرهاب العالمي، الذي ارتكب واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكي تخدم بقاءهم بالحكم. ولو افترضنا جدلا أن الأميركان أعلنوا نهاية حربهم على الإرهاب لأنهم أبعدوا مخاطره عن المصالح الأميركية، فماذا سيستخدم الحكام المحليون في المنطقة من شعارات يستعطفون من خلالها الدعم الأميركي؟

ما زالت المنطقة تغلي في فرن ساخن جسدت اليوم سوريا والعراق وكذلك مصر مكانه الحساس، تتبدل فيه المواقف والاصطفافات، وتتنوع الأشكال والأحجام. فمنطقتنا، للأسف، خاضعة للعبة الكبار وأنصافهم، والمستقبل غامض.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر