الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

خلطة الحل العسكري في الأنبار

أخطأت تصورات المالكي في ما بنته من معطيات للخيار العسكري تحت مظلة 'محاربة الإرهاب' في حين أن المستهدفين هم أعداء 'داعش'.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/02/03، العدد: 9458، ص(9)]

اشتعال النار في الأنبار لم يحدث بالصدفة أو المفاجأة التي فرضتها حسب الادعاءات العامة تنظيمات “داعش” حيث تسللت إلى كل من الرمادي والفلوجة قبل شهر. ولم تكن أعدادها تتجاوز الثلاثين فردا حسب تقرير محافظ الأنبار أمام مجلس الوزراء وبحضور رئيسه المالكي في بداية اشتعال الأزمة.

فهذه النار التي اشتعلت وحرقت أبناء الأنبار، وخصوصا أهل الفلوجة الذين لم يذوقوا الأمن منذ احتلال القوات الأميركية للعراق عام 2003 لحد اليوم. خلف هذه النار الكثير من التشابكات وغموض النوايا والأهداف، مع أن معالمها الرئيسية واضحة، فقد نشبت النار بعد إحباط وتصعيد متقابل ما بين أهل الأنبار ذوي المطالب السلمية من جهة، والحكومة الرافضة لتلك المطالب من جهة أخرى. وفصول القصة أصبحت واضحة في عمومياتها لجميع العراقيين.

ويبدو أن الحدث العرضي المتمثل في هيمنة تنظيمات القاعدة التي اصطلح على تسميتها “داعش” لتسهيل تداول اسمها إعلاميا في المناطق السورية المحاذية للعراق، وما أعلنته أخيرا أجهزة المخابرات الفرنسية عن تنسيق بين تلك التظيمات وبين نظام بشار الأسد في مسألة مقايضة المواقع النفطية مع داعش بمعاونة الجيش الحكومي السوري لمطاردة قوات الجيش الحر.

وكانت تلك التطورات سببا مباشرا في تعجيل التفجير العسكري غربي الأنبار وداخلها، وما تلا ذلك من تطورات عسكرية يبدو أنها فاجأت المركز العسكري في بغداد، ووضع الحالة الأمنية والعسكرية أمام مشكلات جدية قد تقود إلى مجازر إنسانية تفوق أثمانها ما دفعه أهل الأنبار. لقد أدار المالكي الأزمة السياسية في الأنبار التي تشكل جغرافيتها ثلث مساحة العراق، وتمتلك إرثا في مقاومة المحتل الأميركي وهزيمته. هذه المحافظة إلى جانب محافظات أخرى توصف “بالسنية” تعاني الإحباط بسبب التهميش والإقصاء، ولم يتمكن الذين ادعوا تمثيلهم في الضلع الطائفي الذي صنعته العملية السياسية التي جلبت كل هذه المصائب من رفعها. وأراد المالكي الانفراد بإدارتها لأنه يعتقد بأن خصومه السياسيين من “العرب السنة” يحاولون استخدام المطالب الشعبية للي ذراع الحكومة ورئيسها المالكي، وهو أمر غير مسموح به. ولهذا اشتغل المالكي في بنائه للأزمة وتفتيتها عسكريا، حسبما اعتقد- وهذا صحيح- أنه يمتلك القوة العسكرية فيما لا يمتلكها المواطنون بواجهاتهم السياسية والعشائرية في الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك. وكانت الجهود تبذل لخلق موازنة تماثل الأدوات التي تمتلكها الحكومة. وحصل أن توافقت النوايا الخبيثة لتنظيم القاعدة الذي يعتاش على الفوضى وفقدان النظام، مع الهدف الحكومي لتصفية الخصوم.

ومما شجع المالكي على الخيار العسكري بعد تردد ليس بالقصير، هو قناعته بضعف إمكانيات خصومه من “العرب السنة” وهشاشة أمزجتهم السياسية التي تلعب فيها مغانم المال والوجاهة والسلطة. كما أنه يحتفظ بملفات ووثائق الخرق القانوني والفساد التي يشاركهم في حالها كثر ممن هم تابعون له، بعد أن أسقط سياسيا عددا من أولئك الرموز تحت دواعي الإرهاب. مع أن تلك المعطيات قد تتراجع أهميتها وتختفي في ظل مناخ التأجيج العاطفي العشائري الذي لا يقل تأثيرا في العاطفة الجمعية عن تأثير الموروث الطائفي الذي استثمر في اللعبة الدولية الخبيئة لتفتيت مجتمعاتنا في المنطقة. لقد أخطأت تصورات المالكي في ما بنته من معطيات للخيار العسكري تحت مظلة “محاربة الإرهاب، داعش” في حين أن المستهدفين هم أعداء “داعش”.

إن بناء نظرية “صناعة العدو الإرهابي” هي خلطة أميركية قديمة نجحت خلال احتلال للعراق، لكونهم كانوا يمتلكون إمكانيات استراتيجية هائلة: مقاتلين من النخبة واستخبارات تغلغلت بين مختلف الأوساط، وكانت اللعبة هي استفزاز العدو المفترض وفتح مرابضه والسماح له بالخروج والانتشار، ثم جذبه إلى مواقع القتل غير مكترثين لسقوط الضحايا من المدنيين الأبرياء إلى جانب الاستثمار الناجح “للصحوات”.

لكن هذه الخلطة لا ينجح تكرارها على يد الحكومة والمالكي، رغم توفر العامل الرئيس للبيئة الحاضنة، وهو حالة الإحباط العام والمتواصل مقابل الافتقاد إلى الإمكانيات العسكرية والاستخبارية على إدارة هذا النوع من المعارك. وكانت النتائج الكارثية هجرة أكثر من 120 ألف مواطن من الفلوجة إلى مناطق العراق الأخرى، وما يلاقونه من مشكلات في منطقة كردستان. هذه الكارثة الإنسانية التي لا يستحقها أهل الفلوجة وما فتحته من جروح جديدة ينبغى ألا يكون سببها حاكم عراقي وليس محتلا أجنبيا. ومن جهة أخرى فإن جمهور الأنباريين لديهم مشاكل عقدتها المبادرات والوساطات غير النزيهة، والمالكي لا يحتاج إلى هذه الخلطة “محاربة الإرهاب” وكان من السهل لو أن العراق يتمتع بالاستقرار السياسي والأمني مع عناصر متسللة إلى البلاد، في حين أن المشكلة الرئيسية هي التعاطي مع مشكلات الجمهور “العربي” السني لمحافظات الأنبار وصلاح الدين ونيونوى وغيرها، وفق روحية القائد والزعيم لكل العراقيين كان الاختراق الحقيقي هو في تفكيك أزمة المطالب وحلها، وليس في تحويلها إلى برميل جاهز للتفجير.

ولعل ما يثير الاستغراب القول إن دوافع هذه المعركة انتخابية لصالح المالكي، لكي يظهر أنه “زعيم لطائفته”، فعلى المستوى السياسي المالكي وحزبه وجميع الكتل الأخرى “شيعية وسنية” هم في مركب واحد في ظل انعدام أدنى معايير الديمقراطية القاضية بالمحاسبة والمنافسة المشروعة.

في حالة الإصرار على محاربة القاعدة التي تنشر الخراب أينما حلت، ومع توقع أن المبادرات المطروحة لحل سياسي لن تتمكن من النجاح في إطفاء النار في الأنبار.. فإن الأزمة أعمق مما يتم تداوله، وهناك لعبة إقليمية أوسع جعلت العراق جزءا من الطاولة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر