الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

السيسي.. محاولة لتفسير الظاهرة

السيسي صنعته عنصرية الإخوان، وأنانية قوى ظنت أنها تمثل الثورة، وفي مقدمتها رموز اليسار، حين خيل إليهم أن الثورة مغانم لا استحقاقات تتطلب إنكار الذات.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/02/05، العدد: 9460، ص(8)]

(إلى المستشرقين العرب)

سجل ابن بطوطة بعد زيارته مصر: “يستبد العسكر، والشعب يئن تحت وطأة الحكم، ولا يهتم الأقوياء بذلك، والعجلة تدور”. العسكر هؤلاء هم الشرطة المسؤولة عن القمع، وعدم المساس بكرسي الحاكم/الغازي، وليس الجيش؛ فقد نجح الإغريق منذ غزو الإسكندر عام 332 قبل الميلاد في تفريغ الإنسان المصري حضاريا، وحرمانه من حمل السلاح، واستمر ذلك مع الغزاة المتعاقبين، حتى اضطر محمد علي للاستعانة بالمصريين بعد فشله في تجنيد السودانيين، ومن تلك الثغرة تسلل الوطنيون في الجيش إلى صدارة المشهد، وكانت الثورة العرابية. ثم سمحت معاهدة 1936 لأبناء الطبقة الوسطى وصغار الموظفين بالالتحاق بالجيش، ومن هؤلاء جاء ضباط يوليو 1952 الذين أسسوا حكما وطنيا عسكريا.

لن يفهم مستشرق كيف لمصري في السبعين، يشاركنا الهتاف والتظاهر بسقوط حكم العسكر ويحتمل الغاز المسيل للدموع نهاية 2012، وهو يحمل صورة عبدالناصر. حامل الصورة لا يدري أن رجلا صمدت صورته وسيرته أكثر من 40 عاما بعد وفاته كان عرّاب حكم العسكر. ولكن هذا المتمرد العجوز الأمي لا يعنيه إلا أن عبد الناصر كان وطنيا نظيف اليد، وحقق عدالة اجتماعية، وأتاح لابنه وظيفة في مصنع ولابنته فرصة في التعليم.

قبل 1954 لم يكن لعبدالناصر إنجاز، كان يعاني جهل الناس به، وفي وقت قصير أصبح ظاهرة وحلما. وليس في سجل الفريق السيسي إنجاز شعبي، ولكنه صعد في وقت قصير من الصف الخلفي إلى الصدارة، على نحو يدعو مستشرقين من العرب إلى اتهام الشعب المصري بالسذاجة والغفلة وعبادة البيادة، بعد أن امتدحوا هم أنفسهم ذكاء الشعب نفسه، ورقيه الحضاري في انطلاق ثورة 25 يناير.

لا يلام الجنرال السيسي على محبة الناس له. هذه محبة غير مجانية؛ فلا يمنح الشعب تفويضا أبديا لأحد، حتى عبدالناصر حبيب الملايين، لم يسلم من سخرية الناس ونكاتهم اللاذعة، ومظاهراتهم أيضا، بعد هزيمة 1967. وبعد “جمعة الغضب” ارتفع الرصيد الشعبي للجيش، وبلغ ذروته في التحية العسكرية التي أداها اللواء محسن الفنجري، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة للشهداء، مساء 11 فبراير 2011 بعد خلع مبارك. التحية العسكرية رمز الولاء، تؤدى للقادة، للرئيس الجديد. وجاءت تحية الشهداء من عضو المجلس العسكري الحاكم اعترافا بالشرعية الثورية التي يقف لها الجيش “انتباه”. ثم أدرك الشعب أن “حكم العسكر” دون مستوى خيال الثورة، فكان ذلك الشعار الذي ردده معنا الرجل العجوز وهو يحمل صورة عبدالناصر.

لن يكون السيسي أعز من عبدالناصر ولا غير عبدالناصر، ولن تصمد المحبة إلا بقدر المصارحة، وكشف غموض ما بعد 30 يونيو، وترجمة الكلام المعسول إلى إنجازات يراها الشعب سبلا إلى التغيير الحقيقي، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والقصاص للشهداء منذ أول شهيد في السويس التي رفعت شعلة الثورة، يومي الأربعاء والخميس 26 و27 يناير 2011، ولم تفرط في “الأمانة” التي لا يحملها إلا أولو العزم من الثوار، إلى أن تسلمها أبطال ميدان التحرير في “جمعة الغضب”.

فمن أين جاء السيسي؟ وكيف أتيح لخيال الملايين صناعة الأسطورة؟

صنعته عنصرية الإخوان، وأنانية قوى ظنت أنها تمثل الثورة، وفي مقدمتها رموز اليسار، حين خيل إليهم أن في الثورة مغانم كثيرة لا استحقاقات تتطلب إنكار الذات، وأولى خطوات هذا الإنكار تقديم مصلحة البلاد على الأنانية الشخصية، ولدي دليل سجلته في كتابي الجديد “سنة أولى إخوان”.

فالتشوه النفسي الذي أصاب الإخوان بسعارهم للسلطة أصاب بعضه أربعة من ممثلي الثورة من التيار المدني أيضا. ظن كل منهم أنه أحق بالرئاسة، وأخذتهم “الثورة” بالإثم، ورفضوا الجلوس والاتفاق على اختيار أحدهم مرشحا الثورة، فضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون “ثورة”. خسروا جميعا ولم ينصتوا إلى بيان: “قبل فوات الأوان.. نداء إلي مرشحي اليسار والديمقراطية الأربعة” الذي كتبه أحمد الخميسي، ووقعه أكثر من 500 مثقف ومواطن غيور على الثورة والوطن.

يحث البيان على ضرورة الاستقرار “على مرشح واحد من بينكم، لتحشد خلفه كل الأصوات الممكنة في مواجهة الظلامية، أو عودة الفلول. وإذا تم ذلك، ولم ينجح المرشح لأسباب أو أخرى، فسيكون بوسعنا على الأقل أن نقول إننا بذلنا كل جهدنا وأخلصنا وحاولنا.. ندعوكم قبل فوات الأوان إلى الاستقرار في ما بينكم على مرشح واحد منكم، خاصة أن الفروق في البرامج المطروحة من كل منكم ليست فروقا ضخمة. فإذا لم تفعلوا وإذا فضل كل منكم التشبث بالتطلع إلى كرسي الرئاسة، فإننا نرجو ألا تحدثونا بعد ذلك مطولا عن اليسارية والديمقراطية وهموم الوطن، لأن كل ذلك على المحك، ولأنكم تلقون بكل ذلك جانبا، ولا تعيرون أصوات الناس أهمية، ويغرق كل منكم في وهم أنه وحده- وبمجهوده، وبمعجزة ما- سوف يفوز. وهو ما لن يحدث. وسوف تسفر الانتخابات في حال عدم اتفاقكم على مرشح من بينكم عن فوز ممثل الرئيس المخلوع، أو ممثل التيار الرجعي، وفي هذه الحالة نحملكم المسؤولية عن ذلك، ولن نسمع منكم مجتمعين أو فرادى أية دعاوى عن تزييف الانتخابات أو قوة رأس المال، أو شراء الأصوات، لأنكم منذ الخطوة الأولى انقسمتم، وضيعتم حقوقكم، ومعها حقوقنا.

السادة مرشحو اليسار والديمقراطية الأربعة: أبو العز الحريري، حمدين صباحي، هشام البسطويسي، خالد علي.. طالما سمعناكم تتكلمون عن إنصاتكم المرهف لصوت الناس، وها هو صوت الناس يصلكم، فهل تسمعونه؟ وهل سيتكرم كل منكم بالرد على هذه الرسالة؟”

في 13 مايو 2012، أرسل الخميسي نسخة من البيان إلى هؤلاء الأربعة، ولم تصل الرسالة. لعلها وصلت، ولكن الخاسرين الأربعة لم يبالوا بها. وفي 28 مايو 2012 أعلنت نتيجة الجولة الأولى، وحصل أبو العز الحريري على 40090 صوتا، وهشام البسطويسي على 29189 صوتا، و134056 صوتا لخالد علي، مقابل 5764952 لمحمد مرسي، و5505327 لأحمد شفيق.

مساء اليوم نفسه، سارع أنصار حمدين صباحي، ومعهم خالد علي ويده في يد كمال خليل، إلى ميدان التحرير. لم يخجل الخاسران، أن يعترضا على نتيجة خيّبت آمال الملايين، وقضت على حلمها الرئاسي. الاعتراض في حد ذاته مزحة، ورفض صريح للديقراطية، أيا كان الفائز.

أما الأعجب من العجب، وما لا يتصوره عاقل، فهو اقتراح يطالب محمد مرسي بالانسحاب لصالح حمدين صباحي، لتكون جولة الإعادة بين صباحي وشفيق.

فمن أين جاء السيسي؟ صنعه خذلان جبهة الإنقاذ للثورة في أحداث القصر الجمهوري، 4 ديسمبر 2012. أعلنت الجبهة أنها لا تدعو للزحف إلى “قصر الاتحادية”، قادة الجبهة يملكون خيال المعارضة التقليدية، ولكن خيال الثورة لا حدود له، حتى عبدالمنعم أبو الفتوح كان أكثر حماسة إذ كتب في 6 ديسمبر في تويتر: “دماء المصريين التي تراق الآن أمام قصر الرئاسة مسؤولية الرئيس؛ استبدال الأمن بمؤيدي الرئيس انهيار للدولة”، وأتبعها بتغريدة أخرى: “أنعي شباب مصر الذين سقطوا بالأمس أمام قصر الاتحادية.. مكتب إرشاد الإخوان المسلمين ارتكب جريمة تسببت في إراقة الدماء.. المحاكمة واجبة”.

لو كان للثورة قائد، ولو كان قادة جبهة الإنقاذ على مستوى الاندفاع الثوري لحسم الأمر يوم الجمعة 7 ديسمبر، ولكن الحشود ظلت ترابط أمام القصر وفي ميدان التحرير، حتى مضى 25 يناير 2013 وراهن الإخوان على ذلك، وكسبوا الرهان مؤقتا، دون أن يدركوا أن 30 يونيو 2013 أطول يوم في تاريخ مصر، إذ أشرق فجره في أحداث الاتحادية.

سقط ضحايا، أبرياء وغير أبرياء، والمشهد مرشح لمزيد من الدماء.

كدنا نرى مشهد ما بعد عزل محمد مرسي قبل إعلان فوزه. سمعنا رده، بيقين إخواني، على احتمال فوز منافسه أحمد شفيق، بالقول: “لن يكون”.

كنا سنرى هذا المشهد بعد ثلاث سنوات، في نهاية الفترة الرئاسية لمرسي؛ فالفاشيون يرون الديمقراطية مجرد وسيلة، ومجرد إجراء ديمقراطي للوصول إلى الحكم، لا ممارسة تتيح تداول السلطة، ولكن عجلة الثورة تمضي في اتجاه واحد، إلى المستقبل، وعلى استعداد لإزاحة أي استبداد ديني أو عسكري.

* كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر