الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

رفقا بضحايا 'جنة الإخوان' و'اليقين'

ينشأ الإخواني على أن الدين يحتاج إليه شخصيا، وعليه أن يبقى يقظا لكي لا يتسلل أعداء الإسلام من المكان الذي أوكلت إليه مهمة حراسته، ولكي يصل إلى هذا الاستنفار لا بد من اختلاق عدو.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/02/14، العدد: 9469، ص(8)]

في عام 2011 توفي «الخواجة نبيل» رحمه الله. لم يكن الرجل «خواجة» ولا أجنبيا، ولكننا سمعنا آباءنا ينادونه «يا خواجة»، فناديناه: «يا خواجة». وكان أخوه الأكبر «الخواجة يوسف» قد مات وأنا صغير. ثم عاش «الخواجة نبيل» وحيدا ونبيلا ومحبوبا، واعتاد أن يصطحب في سيارته أي عائد من سفر إلى القرية، وفي المدرسة الثانوية بقرية مجاورة. كنا نسارع إلى حشر أجسادنا النحيلة في سيارته، وهو يهمس «على مهلكم يا ولاد»، وتلك مبادرة لا يقدم عليها أصحاب السيارات من المسلمين.

ولكن سماحة المرحوم وطيبته وما تمتع به من رقي إنساني لم يشفع له عند خطيب الجمعة، وهو أزهري في نحو الثلاثين. لم يطلب له الرحمة، بل رفع صوته متفاخرا، في نهاية خطبة الجمعة، وهنأ الأهالي بخلو قريتهم من المسيحيين والعياذ بالله.

قبل بضعة أشهر على وفاة «الخواجة نبيل» رحمه الله، سمعت خطيب مسجد الفتح بالقاهرة، يوم خلع مبارك، يعلن انحيازه الطائفي حين تساءل: «كيف تقوم دعوة للتغيير لا يقول فيها أحد: محمد رسول الله؟ أي تغيير بدون الإسلام؟». ثم قسم مصر إلى فسطاطين، وهو يرفع صوته في نهاية الخطبة: «اللهم العن الذين سرقوا أموال المسلمين»، وكأن سرقة أموال المسيحيين حلال.

كان ينتظرني مصير مثل هذا لولا أن أنار الله طريقي، إذ أنعم علي بشيء من القلق، لألتمس بعض اليقين في ما كتبه ذوو البصيرة، ومنهم ليوبولد فايس (محمد أسد) في شهادته على عصر صديقه الملك عبد العزيز. ما علاقة ذلك كله بكتاب «جنة الإخوان.. رحلة الخروج من الجماعة» لسامح فايز؟

قرأت هذا الكتاب / الشهادة، وأحببته والتمست العذر لشباب جماعة الإخوان، وكان يمكن أن أكون أحدهم، قراءتي لمجلة «الدعوة» الشهرية الناطقة باسم الجماعة دفعتني في الصبا إلى تدمير تمثال في المدرسة؛ فالتماثيل أصنام من مظاهر «جاهلية» يجب التخلص منها. قدرت أنني سأخطو نحو الإسلام إذا حطمت رأس تمثال من الجبس. وقد تربينا على ما قيل إنها أحاديث نبوية أهدر سياقها التاريخي: «من لم يغز، ولم تحدثه نفسه بغزو، مات ميتة جاهلية»، و«جعل رزقي تحت ظل سيفي»، وما دام الغزو صعبا، فلا أقل من إعادة إعلان إسلامنا بتحطيم أحد مظاهر الجاهلية.

وحين أعيدُ الآن قراءة أعداد مجلة «الدعوة» أشفق على أي إخواني، باستثناء قيادات تتخذ من الجماعة والدين قناعا لتوجه رأسمالي متوحش. ينشأ الإخواني على أن الدين يحتاج إليه شخصيا، وعليه أن يبقى يقظا لكي لا يتسلل أعداء الإسلام من المكان الذي أوكلت إليه مهمة حراسته، ولكي يصل إلى هذا الاستنفار، لا بد عليه من اختلاق عدو، وليكن جاره وشريكه في الوطن.

أتذكر هذه الشجون وأنا أقرأ كتاب «جنة الإخوان»، وفيه لا يدعي سامح فايز بطولة، ولا يزعم أنه يذيع أسرارا عن التنظيم، ولكنه يروي تفاصيل إنسانية عن تربية شبه عسكرية تجعل من الفتى عضوا يؤمن بأن الجماعة هي الجنة والأهل.

لا يخوض المؤلف في أمور إدارية تخص الجماعة، ولا يتحدث عن مكتب الإرشاد، وإنما يحكي سيرته منذ تجنيده عام 1995، وهو في الحادية عشرة، حيث يتولى أحد الكبار اختيار من يراه مؤهلا «ليكون إخوانيا مطيعا… فالجماعة دائما هي التي تختار»، ثم تفرض على الفتيان عالما جديدا بدلا من عائلاتهم الحقيقية، في تربية صارمة تعتمد على التدرج، بجعل الطفل يحب الدين، ثم يدين بالفضل لمن انتشلوه من الضياع، وصولا إلى زوال المسافة بين الدين والجماعة، «حتى لا ترى فرقا بينهما… الإسلام والجماعة لا ينفصلان«.

ترسخت التربية الإخوانية في لا وعي المؤلف، حتى بعد عامين على خروجه من الجماعة، ففي عام 2005، وهو طالب في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، كان يقف مع زميلة له يتبادلان الغزل، وسمع كلمة السر الإخوانية «الله أكبر ولله الحمد»، فجرى ملبيا «كأنه أمر إلهي»، وانضم إلى الطلبة المنتمين للجماعة، وحاصروا لمدة ثلاث ساعات قصر الزعفران، حيث يوجد رئيس الجامعة ووكلاؤه ورئيس الحرس. يقول إنه فور سماع «النفير… تحولت لإنسان آخر وتركتها فجأة، فتحولت بسبب تكبيرة من عاشق إلى إخواني»، ووقف مثل ترس في الآلة الإخوانية، إلى أن جاءتهم تعليمات تأمرهم بفك الحصار. احتاج الشاب إلى خمس سنوات لكي يتخلص من آثار «دين الإخوان… وأنها ليست دينا وأنني لم أكفر بترك دائرتها».

في الكتاب الذي أصدرته دار التنوير في بيروت والقاهرة يقول سامح فايز إنه ترك الجماعة، بعد أن قرأ أدبيات لغير الإخوان، واكتشف حقائق جديدة، منها مثلا أن جمال عبد الناصر «ليس كافرا زنديقا»، كما اكتشف أن سعد زغلول «وطني وليس عميلا لأوروبا»، وكان القلق الذي لا يتمتع به إلا الناجون من الإخوان سبيلا للخروج؛ إذ يمنع نظام السمع والطاعة قراءة كتب إلا ما كتبه الإخوان عن الإخوان، ومن الكتب الممنوعة أعمال نجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وجمال البنا شقيق حسن البنا.

تعتمد التربية الإخوانية على ما يشبه القنص النفسي، اصطياد فتيان يتحولون إلى رهائن مستلبين. لعلها العبودية المختارة، وأعضاؤها من فقراء القرى والضواحي ممن يبحثون عن اليقين والتحقق، وكلاهما يكتسب تحت راية الدين. في هذه الأجواء، تؤدي العزلة المفروضة على الفتيان إلى قتل الإبداع والتفكير، فما أسهل تصنيف «الآخر».. إما أنه «عميل للنظام الكافر الذي يحارب الإسلام المتمثل في الجماعة.. وإما علماني كافر يدخض الدين»، وربما تقود مصادفات إلى رحلة الخروج.

فالمؤلف حين عمل، وهو طالب في الجامعة في وظيفة عامل نظافة بأحد المطاعم في القاهرة، عثر على زجاجة خمر، واضطرب ولم يتردد في إلقائها في النيل، لكن أحد العمال رآه ونهره: «كيف تلقي بالنعمة هكذا وكأنها نجس؟»، وكان ذلك الموقف أول حدث يهز ثوابته. ثم عمل في مركز للتجميل في حي الزمالك، واكتشف فيه أن النساء «بشر… لا كما يصور لنا داخل دوائر دين الإخوان».

في ذلك المركز رأى المطربة شيرين عبد الوهاب. كانت لطيفة، وعاملته بمودة وإنسانية، فاهتزت ثوابته مرة أخرى، وقدر أنه «ليس كل ما عدا الإخوان ضالين».

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر