الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

هندسة الفوضى الخلاقة للإعلام السياسي

ما يثير الانتباه حقا، هي ظاهرة الفوضى الخلاقة التي أوجدها الإعلام الجديد، وبالذات «الفيسبوك» و«التويتر»، وهذه الفوضى الخلاقة هي نظرية تداول على صياغتها وتطويرها أكثر من مفكر غربي.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/02/15، العدد: 9470، ص(9)]

بدءا أقول ينبغي على المرء أن ينظر بعين الشك إلى الادعاءات المتفائلة جدا بالدور التغييري للإعلام الجديد، وبقوته الديمقراطية، فلا يمكن أن نتوقع حدوث تغيير حقيقي في عالمنا العربي عن طريق الإعلام فقط، ولا يمكن للديمقراطية أن تأتي من الإعلام الجديد، وإنما على النظم والمؤسسات السياسية ذاتها أن تتغيّر، وتتطوّر، وتتكيّف.

إن الإعلام الجديد الذي صنعته الثورة التقنية له محاسنه ومساوئه، فهو وسيط لنقل الثقافات وتبادل الأفكار وتقييمها وساحة للتحاور والنقاش ووسيلة عرض وتسويق لإنتاجات المبدعين وميدان لإجراء البحوث والدراسات واتجاهات الرأي، كما أنه وسيط لنشر الأفكار الخاطئة ووسيلة لنشر الإشاعات والتحريض والتشهير، وطبيعي أن أيّ منتج تبرز سلبياته في بداية الاستخدام وتتلاشى مع توجه الناس للانتفاع منه.

ويحمل الإعلام الجديد والإنترنت في طيّاتهما تحدّيات أمنية وسياسية واقتصادية وتشريعية وتنموية جدية لا بُدّ من مقاربتها بجديّة مماثلة، خصوصا تلك المتعلّقة بمسؤولية الأفراد الناجمة عن تعبيرهم عن النفس، داخل الإطار المهني وخارجه، عبر المواقع الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنتديات، والهواتف الذكية، والمحتوى الرقمي.. وما قد يستتبع ذلك من موجبات قانونية، ومساءلة مهنية، ومحاسبة وظيفية وتعاقدية ومالية، وغيرها.

إن ما يثير الانتباه حقا، هي ظاهرة الفوضى الخلاقة التي أوجدها الإعلام الجديد، وبالذات “الفيسبوك” و”التويتر”، وهذه الفوضى الخلاقة أو الفوضى البناءة أو التدمير البناء، هي نظرية تداول على صياغتها وتطويرها أكثر من مفكر غربي، وهي كفكر تعني التدمير التام لمنظومة اقتصادية وسياسية وفكرية معينة وبروز منظومة جديدة من داخلها، نظرية تداولها المفكرون والمعاهد الاستراتيجية الغربية، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ إلا على يد كوندوليزا رايس، التي بررت بها التدمير الشامل للعراق وهدف إعادة بناء الشرق الأوسط الكبير.

واذا كان البعض يعتقد بأن ثورات الربيع العربي هي “صناعة أميركية” مبرمجة، فأنني لا أميل إلى هذه الفكرة الخيالية لأنها تهين إرادة من صنعها وفجّرها، وتقلل من شأن الأبطال والشهداء الذين ضحّوا بحياتهم من أجل قهر الجوع والاستبداد والقهر السياسي، لكنني أميل بقوة إلى أن الأميركان قاموا بـ”هندسة الفوضى الخلاقة” في الإعلام الجديد، واستثمروا أدواته التكنولوجية لتحريض الشعوب، وأسسوا غرف عمليات خلفية لإدارة هذه الفوضى بجيوش من التقنيين والإعلاميين وخبراء علم النفس والاجتماع والإعلام، لتكريس “نظرية الفوضى الخلاقة” وهندستها سياسيا لأهداف معروفة!

ويمكن للفوضى -التي يمكن أن يعكسها استخدام وسائل الإعلام الجديد- أن تكون فوضى خلاقة تخرج بنتائج إيجابية، وعلى سبيل المثال لعب الإعلام الجديد دورا أساسيا في الكوارث وكان وراء الاهتمام الكبير الذي تلا الكارثة. إلا أن “الإعلام الجديد”، كعنصر إعلامي يدخل إلى كل بيت، ويحمل أخبارا بعضها في غاية الخطورة، يطرح عدّة أسئلة تتصل بقضايا المهنية ومعاييرها خصوصا التحقق من مصداقية المقاطع، وزاويا الالتقاط، والأهداف السياسية والثقافية للصور، فضلا عن البعد الأخلاقي خصوصا بالنسبة للصور المرعبة أو المقززة وما إلى ذلك من مطلوبات الخدمة الإعلامية المهنية ذات الجودة والمصداقية.

إن سرعة تناقل الأنباء فتحت المجال لكل من يريد أن يفتح حوارا أو يساهم في نقاشات ونقل المعلومة من فوائد الإعلام الجديد، إلا أن فيه ثغرات أيضا، أبرزها عدم قدرة تنظيم تلك المعلومات أو محاسبة واضعها مما يحدث في المؤسسات الإعلامية التقليدية وبناء على ضوابطها الدالّة.

إذ بإمكان أيّ شخص أن يؤسس صفحة على موقع “تويتر” أو موقع “فيسبوك” من دون تكلفة مالية أو التزام حتى بإعلان أسمائهم أو موقع عملهم أو إقامتهم. وبينما استطاع بعض المستخدمين العاديين للموقعين أن يصبحوا من أهم مصادر المعلومات خلال الثورتين المصرية والتونسية وقبلها خلال المظاهرات الكبيرة في إيران عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009، وبدون شك هناك أسئلة حول جهات أخرى تبث المعلومات دون معرفة مصدرها.

وبشكل أخص، هناك أسئلة تثار حول المسؤولية القانونية للمدونين في حال تقدّم طرف بشكوى متعلقة بالذم أو التشهير. وقد وضع موقعا “فيسبوك” و”تويتر” إطارا قانونيا يحمي الشركتين وموقعيهما الإلكترونيين من التورط في تلك القضايا من خلال جعل مستخدم الموقع المسؤول كليا عن مضمون صفحته الخاصة. إلا أن الأطر القانونية لمقاضاة طرف عن مضمون في مواقع الإعلام الاجتماعي ما زالت غير محددة، بينما ينتظر المحامون والمراقبون قضايا محدّدة يقيمها القضاء لتصبح سوابق يعتمد عليها. وتنتقل حدود القضاء من مقاضاة وسيلة نشر معلومة قد تعتبر أنها تساهم في تشهير أو ذمّ، إلى مقاضاة الشخص المسؤول عن نشر المعلومة.

إنّ إفرازات الإعلام الجديد، بدأت تغيّر من القيم والسّلوك، خصوصا وأنه لا يخلو من وجود حالة فوضى مزدوجة كما يقول أحد الباحثين تتجسد في:

أولا: فوضى في السماء يجسّدها الحضور المتنامي لأقمار الاتصالات، والأقمار المتحرّكة وأقمار المراقبة والرّصد.

ثانيا: فوضى على الأرض تلوّنها الفضائيات ويغذّي أطوارها الفضاء اللامتناهي لشبكة الإنترنت.

والمشكلة هنا هي أن الإنترنت عبارة عن نظام عالمي مفتوح يربط حوالي 230 دولة حول العالم تختلف في قوانينها وأنظمتها بل وحتى ما يعدّ مقبولا وغير مقبول فيها، فما هو أخلاقي في مجتمع ما قد ينظر إليه في مجتمع آخر على أنه غير أخلاقي، وفي اعتقادي أنه من الصعوبة -حتى لو افترضنا إمكانية اجتماع تلك الدول لمناقشة المشكلة- وضع حلول مشتركة وناجعة، وهو أمر صعب ومستبعد. وطالما أنّ القيمة الخاصة للمعلومات على مستوى الشبكة، تظلّ منخفضة. فكلّما ارتفعت هذه القيمة، انخفضت قيمة المعلومات وبلغت درجة اليقين، والعكس صحيح. فالإعلام الجديد بتضاريسه الحاليّة، يظلّ بعيدا عن السيطرة، ويبقى من الصّعب التنبّؤ بتغيّراته واتجاهاته، ولا يمكن إلا أن يشكّل نظاما ديناميّا مركّبا تسكنه الفوضى.

ويمكن أن نعرف على وجه التقريب عدد المنخرطين في الإعلام الجديد، المرسلين والمستقبلين من خلال فحص إحصائيات شركات الهاتف في أسواق المنطقة لكن لا أحد يستطيع أن يقول لنا على وجه الدقة كيف تفعل هذه الوسائل والرسائل في المجتمع، وما الذي تفعله من تغيير بسرعة أو ببطء. لهذا نجزم أولا بأن العالم العربي يتغيّر، وثانيا لا ندري إن كان نحو الأفضل أو الأسوإ. هل رسائل الهاتف والرسائل الألكترونية مثلا تساعد على تطوير النظم السياسية، والمشاركة الشعبية الحقيقية، وتسهل تأمين نقل العلوم وتبادل المعارف وتقريب المسافات وتحسين العلاقات؟ أم إنها بوابة أوسع نحو الفوضى والإرهاب وتخريب علاقات الشعوب وترويج العنصرية المحلية والقبلية وإحياء الأفكار القديمة.

إن أخطر اللاعبين الجدد هو الهاتف الجوال. ففي جيله الثالث صار وسيلة لنقل البث التلفزيوني. كما أن التلفزيون صار وسيلة لعرض رسائل الهاتف القصيرة، حتى أن محطات تلفزيونية أطلقت خصيصا لخدمة الجوال بهدف الاستفادة من مداخيل الرسائل فكان بعضها أكثر من مداخيل الإعلانات التجارية، وصارت بعض شركات الهاتف في العالم من أكبر ملاك وسائل الإعلام والسؤال الذي حيّر الإعلاميين: لماذا الحكومات ساكتة على غير عادتها؟

أحد الأسباب، إنها مثل من حاول سدّ تسرّب مياه السدّ بإصبعه؛ فالسدّ على وشك الانهيار وهي تعرف هذا!

أكاديمي وإعلامي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر