الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

مفاتيح الزعامة السياسية

كيف يحلم بزعامة العراق من ينحاز إلى حزبه وطائفته ويقصي قطاعا شعبيا واسعا، ويختار كل الوسائل التي تصنف الآخر بالعدو والخصم الذي يستحق الملاحقة والسجن أو التغييب.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/02/17، العدد: 9472، ص(9)]

منذ أوائل التاريخ البشري بدا أن للزعامة قوانين وأعرافا وتقاليد لا يمكن تجاوزها أو اصطناع غيرها، في القبيلة أو العشيرة لا يتقدم القوم إلا أرفعهم عقلا وحكمة وشجاعة، وحين يمارس هذا الدور الاجتماعي تترتب عليه ضريبته في حب المجموعة والتضحية والإيثار من أجلها والصرف بما يملك من مال على حاجاتها ومن أجل أحلامها. الزعيم أو القائد عبر التاريخ هو أعدل الجموع وأكثرهم تضحية، لا يفرق بين غني وفقير أو بين صغير وكبير. وأصبح للزعامة التاريخية عند الأمم والشعوب في عصور النهضة الإنسانية وصناعة الدول والحكومات، قوانين صارمة لا يدخل أبوابها إلا المتفردون الموهوبون الذين تصنعهم أحداث كبيرة وتحولات غير تقليدية في مسار التاريخ، إنهم أشخاص نادرون يصبح التحدي جزءا من منظومة القيادة التاريخية لديهم، قد يكون لهذا التحدي أعداء خارجيون من قادة وزعماء يتنافسون على زعامة خارج حدود أوطانهم، ولم يقرأ التاريخ أمثلة لمن يريد الدخول في عالم القيادة أو الزعامة أن يتحقق له ذلك عبر قتل أو تهميش جزء من أبناء وطنه، عندها قد يتحول إلى زعيم لطائفته أو عصبته القومية، وليس زعيما للشعب. وهكذا سطر التاريخ السياسي العالمي زعامات تاريخية وأخرى سياسية غيرت مجرى التاريخ الإنساني سواء تطابقت مع عقائدنا أو مناهجنا الأيديولوجية أم لا أمثال (غاندي، هتلر، ستالين، لينين، جورج واشنطن وأيزنهاور وسيمون بوليفار، ومانديلا وديغول) وهناك أمثلة لزعامات سياسية تركت آثارا مهمة لشعوبها أمثال تشرشل والشيخ زايدوعبدالعزيز آل سعود وفيصل الأول وكمال أتاتورك ومحمد مهاتير وخوسيه موخيكا وغيرهم. هذه الزعامات السياسية أرست لأوطانها معالم منيرة، وكانت تشكل إجابات لحاجات تلك الشعوب فخلّدتهم.

ورغم التحولات الإنسانية في ديمقراطيات الحكم الحديث، الذي لا يتعاطى مع مفهوم البطولة الفردية، إلا أن المميزات الفردية ترسم علامات لقادة دون آخرين. فمن بين رؤساء أميركا المعاصرين يظل اسم كيندي عالقا في ذاكرة الأميركيين بأنه لم يكن مطيعا للوبي اليهودي، وبوش الابن الذي خاض حربي العراق وأفغانستان بقرارات تكاد تكون فردية.

في العراق وفرت الظروف التي عاشها الشعب في محنه الداخلية من حروب وحصار الفرصة التاريخية لبروز الزعامة الوطنية، سواء في مواجهة الاحتلال العسكري الأميركي، أو في معركة البناء وخدمة الإنسان. ولكن للأسف كانت الحالة العراقية شديدة التعقيد في العشرين سنة الأخيرة، في وقت انحسر فيه تأثير دور البطولة الفردية في الحياة السياسية في المنطقة، وبدلا من أن تعبر قيادات المعارضة العراقية قبل عام 2003 عن انحيازها لتطلعات الشعب، تحولت إلى أدوات بيد الاحتلال تحت ذرائع الخلاص من النظام الدكتاتوري، وبذلك انطفأت جذوة التفاعل ما بين الناس وبين أولئك السياسيين، أما من وقف من الوطنيين العراقيين الذين كانوا معارضين لسياسة صدام ضد مشروع الاجتياح، فبدلا من أن ينالوا التقدير والاحترام، تم عزلهم بعد الاحتلال.

فرص الزعامة توفرت حتى لأولئك الذين ساعدوا الاحتلال وتم تنصيبهم في السلطة بقرارات من قيادته المتمثلة ببريمر. كان بإمكان من يحلم بالزعامة السياسية أن يقدم نفسه للشعب العراقي كقائد للتغيير وللنهوض الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي، وأن يعلن أمام هذا الشعب المبررات الوطنية التي اضطرته هو وحزبه أو جماعته للتماشي مع الاحتلال وخدمته. كان قادرا على تقديم مشروعه ومشروع حزبه الوطني ويخوض المنافسة الديمقراطية في ما بعد، لا أن يوّقع على دستور جَزّأ العراقيين إلى مثلث طائفي بغيض (كردي، شيعي، سني) ويجعل الأغلبية في المنافسة طائفية وليست سياسية. وفي كل خطوة تلحق الضرر بالناس يقول: هذا هو الدستور. ويفكر الحالم بالزعامة أن يحققها عبر طائفته لا عبر شعبه، وهذه أولى موانع الزعامة، إضافة إلى موانع كثيرة لا حصر لها، فكيف يحلم بزعامة العراق من ينحاز إلى حزبه وطائفته ويقصي قطاعا شعبيا واسعا، بل يختار كل الوسائل التي تصنف الآخر بالعدو والخصم الذي يستحق الملاحقة والسجن أو التغييب، أو يدعي تمثيل طائفته لكنه يقدم أفرادها ضحايا لمكاسبه ومغانمه الشخصية، ورغم شعوره بأنه خاسر بين من يدعي تمثيلهم لكنه يعاند لأنه يعتقد أن ساحة المنافسة لاحتلال مواقع حكومية أو برلمانية خالية، فالرجال الأوفياء الصادقون بعيدون أو مستبعدون وقسم كبير منهم لا يريد أن تتوسخ دشداشته البيضاء بمستنقعات الفساد وبيع المبادئ بثمن رخيص.

كيف يحلم بزعامة العراق من يثير نعرات الحقد والكراهية وتصعيد الاحتقانات الناتجة عن إحباطات حرمان الحقوق السياسية والإنسانية، ولا يسعى إلى إطفاء الحرائق التي تشتعل بسبب تداخلات المجموعات الإرهابية الحاقدة على كل ما هو إنساني وأخلاقي وإسلامي معتدل. أليس من أولى مقومات بناء العراق الجديد أن تعمم معالم المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي وليس نبش زوايا الثأر والانتقام، وفتح جراح الماضي وتغذيتها بشحنات الطائفية السياسية. أليس مثال الزعيم الراحل مانديلا درسا لكل من يحلم بالزعامة حين فتح في جنوب أفريقيا عهدا من المصالحة عفى من خلالها عن جميع القتلة العنصريين، وطلب الإذن من ملايين أهالي الضحايا لتحقيق ذلك المشروع التاريخي الذي أصبح من خلاله زعيما عالميا.

أليست الفلوجة- في مقاييس الحاكم الوطني- مدينة يستحق أهلها الذين قاوموا الاحتلال الأميركي وتنظيم القاعدة، كل الرعاية وتمجيد شهدائها وتكريمهم بدلا من قصفها بصواريخ الدعم الأميركي المتشفي بضحاياها الجدد، أليست سامرّاء التي ذاقت الحرمان سنوات ما قبل 2003 مثلا تستحق الرعاية من قبل الحاكم الحالم بالزعامة.

ثم كيف يفكر الحاكم في العراق بالزعامة السياسية وفي ظله وأمام عينيه وفي التقارير اليومية التي تصله من قنوات الأمن يساق الآلاف من الأبرياء إلى المعتقلات بتهم كيدية باطلة وفق “المادة أربعة إرهاب”، ولا يخرج بعضهم إلا باضطرار ذويهم بيع ما يملكون لكي يدفعون رشاوى للسجانين؟

ثم كيف يُتهم بالإرهاب أولئك اليائسون المحبطون الذين يذهبون ويلقون بأنفسهم في أحضان القاعدة، أو يحتضنون بعض أفرادها بعد سنوات الحرمان من أبسط الحقوق، هل نسي حكام اليوم ماذا فعل الظلم بهم حين كانوا مطاردين ويتهمون “بأنهم عملاء للخارج”، أليست دائرة الظلم حين تتسع تفتح الهوة بين الحاكم والمواطن ويتمزق الناس ويغيب الولاء للوطن.

ألا نلاحظ كيف اتعظ الأميركان من تجربتهم المرة في العراق حين دمروا الدولة العراقية ومؤسساتها الوطنية، وهم يسعون اليوم إلى حل سياسي للأزمة السورية يبقون فيه على جميع المؤسسات، وقد لا يمانعون في بقاء رئيس النظام، ولكن السياسيين العراقيين وبينهم ممن ما زالوا يغنون سيمفونية الزعامة على ركام الخراب والموت المستمر، لم يضعوا قواعد بناء نظام سياسي قادر على إنجاز مشروع الدولة المدنية الجديدة، ويوفر الإمكانيات لإطلاق العمل للتنمية الشاملة، وإشاعة السلم الأهلي، بل إنهم ودون استثناء مرتاحون لحالة الانهيار الأمني وتصاعد دخان الحرائق في بغداد والمدن الأخرى، لأن هذا الدخان المعجون بآلام الناس وأحزانهم، يشغل الناس عن المكاشفة التي يرسب فيها جميع السياسيين.

مفاتيح الزعامة متاحة لمن يرغب فيها وهي في ضمائر الناس وفي ملفات معاناتهم وحسهم الصادق البعيد عن الأمراض التي أدخلها السياسيون وأنصافهم على البيت العراقي. وهي على مرأى الذين يتزاحمون اليوم في سباق لا علاقة له بقيادة الناس، وإنما للوصول إلى صناديق خزائن المال، بعد أن تدربوا على كيفية إدارة مفاتيحها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر