السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

الشباب العربي والتلوث الإعلامي

هناك احتلال مصدره خارجي يتمثل في الثقافة الجديدة عبر قنوات عديدة، منها وسائل الإعلام والإنترنت، وهي ثقافة تروج لقيم ومعايير اجتماعية وأنماط حياتية قد لا تتلاءم مع الواقع الاجتماعي.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/02/19، العدد: 9474، ص(18)]

يبدو اليوم أن الشباب العربي يعيش في مأزق ما يسمى بالتغيير، وقد لخصه أحد الباحثين العرب بمجموعة من الظواهر السلبية التي تتعلق بالمحيط الاجتماعي، وبمناخ الواقع الذي تسوده جملة من القيم الرديئة والتناقض الثقافي والفوضى الاقتصادية والفقر والفساد السياسي والإداري ومظاهر الاستغلال والتسلط والانحراف بكل صوره وأشكاله وأنواعه، مما يجعله يستمد من هذا المناخ و سلوكه نمط تفكيره وأسلوب حياته اليومية. فالشباب إذا ينظر حوله تبدو الصورة كئيبة من خلال البطالة والتمزق والفقر، وانعدام أو غياب العدل، فتمتلئ الصدور بالحقد والغضب والرغبة في تدمير كل ما هو قائم. وعند هذه النقطة تكون النفوس جاهزة لمسلسل الغضب والإرهاب والانحراف.

وهناك احتلال مصدره خارجي يتمثل في الثقافة الجديدة عبر قنوات عديدة، منها وسائل الإعلام والإنترنت، وهي ثقافة تروج لقيم ومعايير اجتماعية وأنماط حياتية قد لا تتلاءم مع الواقع الاجتماعي.

وبغياب المشروع وبغياب حتى الممارسة الديمقراطية داخل البنية الإعلامية نفسها، نجد أنفسنا أمام ظاهرة إعلامية جديدة تمارس وظيفة الإلهاء المتزايد للمشاهدين، ويزداد التلوث الإعلامي من خلال بروز:

البرامج السياسية ذات الطابع الانقسامي والصراعي من خلال إثارة النعرات الطائفية والقومية والعرقية، والنزاعات الإقليمية وتثوير الرأي العام.

البرامج الترفيهية الساعية إلى تفكيك البنى الذهنية العصيّة على النفاذ من خلال العمل الناعم على تفجير السلوكيات وأنماط الحياة بما يتناسب ومتطلبات تعريف الإنتاج، عن طريق ربط المتعة بالحداثة والحداثة بالاستهلاك.

البرامج الدينية، وبالذات القنوات المتخصصة التي أصبحت بمثابة شرنقة لكل فئة، حيث دفع الإسلام نحو مزيد من الانكفاء وتضيق مسافته بشكل لا يقبل التنوع ولا الاختلاف، ولا حتى الرحمة والغفران، ولا مشاركة الفرق والطوائف في ما بينها على إغناء الفكر الإسلامي وجعله أكثر رحابة.

البرامج الإخبارية والحوارية، حيث الأخبار يطغى عليها الجانب الدعائي للأنظمة، والكوارث والحروب والقتل، بينما تراجعت الأخبار التي تمس حياة المواطنين العادية، وتختفي أخبار منظمات المجتمع المدني. فالجمل الإخبارية أصبحت توحي أكثر مما تبرهن. أما البرامج الحوارية فإنها على العموم غير حيادية، وتقوم على تنافر الأضداد وعلى التمترس على أطراف الثنائيات مما يؤدي إلى تكريس الانقسامات الحادة القائمة على الصراعات السياسية والاجتماعية.

وهناك جملة إشكالات لا يمكن للإعلام نفسه النفاذ منها ولا للباحثين إغفالها: الإشكالية الأولى: علاقة الإعلام نفسه بالسياسة والسياسين من ناحية، وبما يسمى الرأي العام من ناحية ثانية، وما ينتج عن ذلك من إشكالية كبرى تتجلى في الأثر الذي يمكن أن يحدثه تحالف السلطة والمال والإعلام على الحياة السياسية وعلى الإعلام.

الإشكالية الثانية مرتبطة بالتلفزيون نفسه كوسيلة لها آلياتها في العمل الإعلامي تستدعي الملح والآني والسريع والمثير والاستعراضي، والتأثيرات المتبادلة بين الإعلام والسياسة والاقتصاد، كتراجع الديمقراطية التمثيلية لصالح ديمقراطية الرأي وتحول الاتصال إلى أيدلوجيا، وشيوع الإعلانات كظاهرة لاستقطاب الجمهور من خلال التبسيط والجذب والإثارة إلى درجة التسطيح.

الإشكالية الثالثة مرتبطة بالجمهور، ثقافته ورؤيته وبيئته السياسية والاجتماعية، وقدرته على استيعاب الخطاب الإعلامي، وقدرة الإعلام على جذبه . وهناك مؤشرات خطيرة للغاية أهمها فقدان الشعوب العربية بشكل عام والشباب بشكل خاص الثقة بوسائل الإعلام الرسمية التي باتت تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطلعات الأجيال الصاعدة التي ولدت ضمن منظومة إعلامية عالمية تنشد الحرية وترفض تحويل الإعلام إلى بوق للسلطة، ومنبرا لتزييف الحقائق، بينما أدى هذا الواقع إلى هروب الشباب إلى الفضائيات الخاصة التي تكرس شاشاتها لثقافة التسلية والترفيه، وتحويلها إلى مصنع للنجوم من مقدمين ومقدمات إلى عارضات، وإلى فنانين.

أكاديمي وإعلامي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر