الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

مقتدى الصدر ثغرة في جدار العملية السياسية

هذا الخرق في جدار العملية السياسية ينبغي أن يستثمر لصالح قوى التيار الوطني العراقي، ليس لمكاسب انتخابية قصيرة، وإنما لطرح مشروع جديد ينقذ العملية السياسية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/02/21، العدد: 9476، ص(9)]

مهما بدا من تحليلات وتعقيبات ناعمة من داخل البيت الشيعي ووسائله الإعلامية تجاه قرار مقتدى الصدر اعتزال العمل السياسي، فإن الحقيقة هي أن هذه الخطوة تشكل اختراقا غير متوقع في جدار العملية السياسية الآيل للسقوط في بلد لا يمكن للقياسات والمعايير السياسية التقليدية أن تتحكم بما يحصل فيه اليوم.

فالانهيار الأمني بعد عشر سنوات من أبشع احتلال عسكري، وثلاث سنوات من رحيله، لا يعطي أية مبررات دون قيام نظام سياسي ديمقراطي. وتتشبث جميع الكتل السياسية بالانتخابات للحصول على مزيد من المغانم وليس لخدمة المواطن المظلوم. خطوة الصدر جريئة وذات دلالات مهمة:

فهي أولا تصدر عن شخصية قيادية دينية وسياسية تنتمي إلى عائلة ذات قامة عالية في الحوزة الشيعية (الناطقة) وهذا الانتماء فرض التزامات على ابن المرجع الصادق الصدر لا يستطيع تجاوزها رغم ضخامة الإغراءات السياسية والوجاهية في السلطة والحكم، ومن أهمها إعلانه نصرة الفقراء حتى وإن كانوا من خارج طائفته.

ثانيا؛ مسيرة الصدر السياسية منذ عام 2003 إلى حدّ اليوم مليئة بالتعقيدات والضبابية، خصوصا في السنوات الثلاث الأخيرة بتأزم علاقته مع المالكي الذي حمله إلى كرسي الحكم لمرتين، ويعتقد أنه أي المالكي لم يكن وفيا لذلك، بل تسربت تقارير تشير إلى أن المالكي يحتفظ بملف مقتدى الأمني الخاص بمقتل مجيد الخوئي في الأسبوع الأول من الاحتلال الأميركي، وأنه قادر على ملاحقته قانونيا. لقد تذبذبت مواقف الصدر تجاه المالكي بين المواجهة والمهادنة، فقبل عامين اصطف إلى جانب إياد علاوي ومسعود البارزاني في مشروع سحب الثقة الذي عطله الرئيس الغائب الطالباني مجاملة لطهران.

ثالثا لأسباب سياسية مغطاة بستار مذهبي استفادت منه إيران، لم يتمكن مقتدى الصدر من اتخاذ المواقف الجريئة ضد سياسة المالكي مثلما يحصل اليوم، ودائما ما كان يعلن عن ضغوط إيرانية تكبّل قراراته. ولكن لم يتمكن المتابعون للشأن العراقي من فك شفرة الدعم الإيراني للمالكي دون غيره من القادة الشيعة في حلمه للولاية الثالثة. رغم أنها تأتي وسط بحر من دماء الأبرياء وآخرها في الفلوجة، بعد أن توهم أن الدعم الأميركي له في محاربة تنظيم القاعدة يعني دعمه للولاية الثالثة.

رابعا؛ أثبت مقتدى الصدر في قراره الاعتزال السياسي، أنه قد قطع الخيوط مع المالكي، وأن هذه الخطوة المرتبطة بظرفها الحالي قد أكدت حنكته السياسية، وأنه يلعب بمهارة تتناسب مع خصوصيات البيئة السياسية في العراق. لقد تطابق الصدر في إعلانه مع مفردات معاناة أهل الأنبار وصلاح الدين والناصرية وغيرها. بل كشف هذا البيان عن جرأة تجاوزت جميع دعوات المعارضة لسياسة المالكي من داخل ممثلي التركيبة السياسية الذين يدعون تمثيلهم للسنة، بل أحرجهم جميعا لأنهم مكبلون بأعباء مواقعهم الرسمية والبرلمانية.

خامسا ردود الفعل الساخنة من داخل البيت الشيعي تحاول توظيف موقف مقتدى الصدر لمصالحها الانتخابية، وتلعب على احتمالات تشظي كتلة الصدر إلى ولاءات قد تكون قائمة “دولة القانون” في مقدمتها، رغم أن قائمة “المواطن” بزعامة عمار الحكيم هي الأكثر قربا منهم، لأنه تماهى مع حالة النقد الموجهة إلى سياسة المالكي. ولكن المؤشرات تشير إلى أن خطوة مقتدى الصدر بقدر ما هي تحرير له من الضغوط التي واجهها، إلا أنها بذات الوقت عملية تصحيح لسلوك الفساد الذي ارتمى في أحضانه الكثير من أتباعه داخل البرلمان والحكومة. وأراد وفق طريقته التخلص من الذين لن يجدوا بعد الآن في خيمته ملاذا من الملاحقات القانونية ومن نقمة الرأي العام العراقي.

مقتدى الصدر سيظل لاعبا مهما في اعتزاله السياسي، وسيتحول إذا ما أراد إلى نقطة مرجعية مهمة شبيهة بمسيرة والده الراحل، وسيكون ثقله أكبر في تحديد مسارات الخيارات من داخل “البيت الشيعي” في الانتخابات المقبلة بعد أقل من شهرين.

سادسا قرار مقتدى حتى وإن تمّ تجاهله من دوائر المالكي وقائمته البرلمانية لأسباب تكتيكية، فإن العملية السياسية التي ظلّت ولسنوات محرّمة من النقد والمكاشفة بذات المفردات التي قدّمها الصدر في بيانه، قد أصبحت اليوم في حالة يرثى لها، وإن المالكي وحكومته في حالة من الإحراج السياسي أمام مفردات الحقيقة التي كانت ذاتها شعارات المظلومين من الناس، وليس من المنطقي اتهام بيان الصدر “بالأجندة الخارجية أو الطائفية”. ما يمكن توقعه من مواقف مالكية هي التجاهل الإعلامي ومنع تداعيات هذا البيان السياسي، إلى جانب الشغل التنظيمي التكتيكي لتفكيك خط التيار الصدري، والإيحاء بأن قائمة “دولة القانون” لا تختلف عن أهداف “التيار الصدري”، بل إن حزب الدعوة حسب دعاواه هو الأكثر قدرة تنظيمية، وولاء في العقيدة.

هذا الخرق في جدار العملية السياسية ينبغي أن يستثمر لصالح قوى التيار الوطني العراقي، ليس لمكاسب انتخابية قصيرة، وإنما لطرح مشروع جديد ينقذ العملية السياسية، وقد طرحت أفكار جديدة لقيام مشروع جبهة وطنية عراقية من قوى الاعتدال العراقي من رموز شيعية وسنية يرعاها مقتدى الصدر إلى جانب المرجع السني عبدالملك السعدي وباقي الخيرين، وهذا المشروع السياسي ستكون لديه القدرة على تحديد مسار العملية الانتخابية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر