الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

كسر الصمت عن الجزائر المستعمرة

إدوار إلياس قدم لوحة بانورامية بديعة عن المناظر الطبيعية والعمرانية والعادات والتقاليد في الجزائر بما في ذلك أحوال المستعمرين الفرنسيين والأوروبيين بطوائفهم الدينية وفئاتهم الاجتماعية المختلفة.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2014/02/23، العدد: 9478، ص(11)]

ظلت الجزائر مجهولة عربيا طوال قرن ونصف القرن، إلى أن تحررت من الاستعمار الفرنسي. خلال تلك الفترة غابت الجزائر تماماً عن المخيال العربي، فقد كانت مستعمرة فرنسية، وعدت جزءاً لا يتجزأ من الكيان الفرنسي.

وفي الوقت الذي تمتعت فيه جل البلدان العربية بيوميات عنها كتبها رحالة وأدباء ومفكرون وفنانون ومؤرخون زاروها خلال الحقبة نفسها، فنحن نكاد لا نعرف إلا النزر اليسير من أمثالها تتعلق بالجزائر المستعمرة. والأدهى من كل هذا أن الذاكرة الثقافية العربية، في المشرق خصوصاً، ماتزال إلى اليوم، تجهل صورة الجزائر المستعمرة، حتى لكأن 130 عاماً كاملة من حياة الجزائريين تحت الاحتلال الفرنسي، قد سلخت تماما من التاريخ العربي، فضمرت في مخليتها، ولم تدخل في حساب التقويم التاريخي العربي الحي، بكل ما زخر به زمن الاحتلال من وقائع، وسياقات اجتماعية وثقافية، انتفاضات، جزائرية متعاقبة، أدت في النهاية إلى الثورة الوحيدة التي يعرفها العرب، من بين عشر انتفاضات وثورات جزائرية كان أبرزها ثورات الباي أحمد، والأمير عبد القادر، والثائر بوعمامة، وكان آخرها ما عرفناه وقرّ في وجداننا "ثورة المليون شهيد"، التي توجت كفاحاً مديداً ومريراً خاضه الجزائريون وصولاً ببلادهم إلى الاستقلال عن فرنسا سنة 1962.

كسر الصمت

من الصفحات النادرة التي وقفت على الجزائر المستعمرة المنسية، وحاولت رسم صور لها، ما دونه رحالة عرب معدودون وصلوا إلى درة التاج الاستعماري الفرنسي، وشكلت كتاباتهم محاولات ممتازة، وإن كانت متأخرة لكسر الصمت عن هذه القارة العربية الضائعة.

أشهر الرحالة الذين زاروا الجزائر خلال الفترة الاستعمارية هم إدوار إلياس (سوريا) 1900، محمد فريد بك (مصر) 1901، محمد الخضر حسين 1904، الشيخ أحمد حسين المهيري 1922 سعيد أبو بكر 1927 و1928 والطيب بن عيسى (تونس) 1927، نقولا زيادة (فلسطين) (الخمسينات- السبعينات).

وبالتالي فإن أقدم اليوميات العربية التي عن الجزائر في الفترة الاستعمارية هي ما دوّنه ونشره الرحالة والكاتب السوري نزيل مصر إدوار إلياس الذي وصل إلى مرفأ وهران على ظهر سفينة أبحرت من مرسيليا صيف 1900 وهدفه السياحة وكسب المعرفة وحسب، تليها مباشرة يوميات الزعيم الوطني محمد فريد بك الذي قدم إلى الجزائر من وهران أيضاً، ولكن عبر ميناء طنجة، ومرَّ بمدينة مليلية المحتلة قبل أن يصل إلى التراب الجزائري في منتصف ليل يوم السبت 3 أغسطس (آب) سنة 1901.

وحسب مراجع شتى، فإن إدوار إلياس رحالة من القرن التاسع عشر، سوري الأصل، أقام في مصر وتقدم بها في الوظائف إلى أن أصبح مفتشاً في وزارة الداخلية. قام برحلات عديدة في العشرية الأخيرة من القرن التاسع عشر، جاب خلالها قارتي أوروبا وأمريكا صنف على إثرها مجلدين ضخمين جمع فيهما رحلاته، الأول تحت عنوان "مشاهد أوروبا وأمريكا" مطبعة المقتطف، مصر 1900 والثاني "مشاهد الممالك"، مطبعة المقطم، القاهرة 1910، وتغطي يوميات الرحالة جولاته وسياحاته منذ سبعينات القرن التاسع عشر في بلدان وممالك القارة الأوروبية قبل أن تتمزق، كمملكة النمسا والمجر، إلى بلدان مستقلة في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

ويمكن اعتبار كتابات إدوار باشا إلياس، بمثابة مرجع شرقي بالغ الأهمية عن أحوال الأمم الغربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لما تحتوي عليه من معلومات ومشاهد وانطباعات عن النهضة الحديثة، من خلال عيني رحالة عربي بهرته المدنية الغربية، والتقدم العلمي المذهل الذي بلغته الأمم التي حل في مدنها العامرة، فأخذ على عاتقه أن يدون بكثافة واختصار شديدين، كل ما أخذ يلفت نظره كشرقي يتطلع إلى محل متقدم لأمته بين الأمم الناهضة.

أما محمد فَرِيد (بك) (1284-1338هـ، 1868-1919م) ابن أحمد فريد (باشا): رئيس الحزب الوطني أيام الاحتلال البريطاني، بمصر، وأحد نوابغها، من أصل تركي، فقد ولد في القاهرة وتعلم في مدرستي الألسن والحقوق، ووُلّي نيابة الاستئناف، ثم احترف المحاماة وانقطع إلى الخدمة العامة، فكان مع مصطفى كامل (باشا) في كثير من رحلاته إلى أوروبا. ولما توفي مصطفى كامل انتخب محمد فريد رئيساً للحزب سنة 1908 وحبس ونفي سنة 1919.

وثيقتان نادرتان

قدم الأول من فرنسا التي تحتل الجزائر، والثاني من إسبانيا التي تحتل مدناً مغربية بينها سبتة ومليلية وقسماً من الصحراء التي لم ينته احتلال الأسبان لها رسمياً إلا على إثر المسيرة الخضراء سنة 1975، في حين ترفض أسبانيا إلى اليوم الاعتراف بمغربية المدينتين المذكورتين. وقد زار محمد فريد بك الأندلس ومراكش قبل أن يحلّ في الجزائر وفي عزمه، كما عبر في مقدمة رحلته، زيارة بلاد عربية إسلامية محتلة، يمثل احتلاها بالنسبة إليه امتداداً لاحتلال الأندلس.

نظرة المندهش

وإذا كان الرحالة الأول قدم لنا في يومياته الجزائرية جردة واسعة من المعلومات والملاحظات والانطباعات والأخبار اللماحة عن المكان وأهله، وهو ما ميز مجمل يومياته التي كتبها عن البلدان والحواضر التي زارها ونشرها في كتابه "مشاهد الممالك الصادر في القاهرة سنة 1910، فإن الرحالة الثاني ترك لنا في يومياته الجزائرية المستلة من كتابه "من مصر إلى مصر" المنشور في مطلع القرن العشرين في القاهرة أيضاً، وثيقة هي الأكثر نفاذاً في قراءتها للواقع الاستعماري في ذلك الوقت المبكر، فضلاً عن ارتباط هذا الواقع عنده بمجمل ما حدث للعرب والمسلمين من تقهقر أمام الأوروبيين مثّل احتلالُ الفرنسيين للجزائر ذروة فيه، ناهيك عن تحليله الثاقب لمجمل الأحوال الجزائرية، ووعيه الرفيع لفساد الظاهرة الاستعمارية، وتنبئه بحتمية زوال الاحتلال، وهو ما لم يشغل بال إدوار إلياس الذي بلغ به البرود حدَّ اعتبار قتلى الفرنسيين في المعارك مع الثوار الجزائريين أبطالاً مجاهدين، لكنه قدم لنا، في الوقت نفسه، لوحة بانورامية بديعة وفيها دقة عن المناظر الطبيعية والعمرانية والعادات والتقاليد والطقوس والأحوال السائدة في الجزائر بما في ذلك أحوال المستعمرين الفرنسيين والأوروبيين بطوائفهم الدينية وفئاتهم الاجتماعية المختلفة.

بالمقارنة بين الرحالتين المشرقيين هذين، يعتبر الأول ابن الدهشة بالغرب، والانجذاب نحو الحضارة الغربية بمكوناتها العصرية وحداثتها الساطعة، وهو ما جعله يغض الطرف عن السلوك الاستعماري للفرنسيين، فقد شفع لهم عنده، على الأرجح، انتماؤهم إلى الحضارة الحديثة التي اعتقد بإمكان نقلها عبر الاتصال بالغرب والسير في ركابه، وهو ما يعكس انسحاقاً حضارياً أمام الاستعلائية الغربية وممارساتها الإمبراطورية. بينما نجد في محمد فريد بك، وهو من أصول تركية، شخصية أكثر توازناً وتماسكاً واعتدالاً في رؤيتها للحداثة والمدنية والتطور العلمي والأدبي الحاصل في الغرب، فلم تبهره انعكاسات ذلك، بصورة أو أخرى، على الحياة الجزائرية، ربما لكونه لم يغض الطرف عن ازدواجية الغرب، واستعلائيته على الشعوب الأخرى، ومنها شعوب الشرق التي لم يكف عسكره وإداراته المنتشرون في أصقاع العالم، وعلى رأسها الهند وإفريقيا، عن نهب كل ما وقع تحت أيديهم من ثروات آسيا وأفريقيا، وعن تكريس مناخ من الهيمنة المسلَّم بها على مقدرات شعوب هاتين القارتين بما يسمح، في النهاية، بتأبيد الاحتلال، وبالتالي استمرار تدفق الثروات المنهوبة على خزائن الإمبراطورية.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر