الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الإعلام الرقمي يزعج الحكومات العربية

الحكومات العربية تتعامل مع الإنترنت بانزعاج كبير وحساسية وحذر شديدين على اعتبار أن الإنترنت قادرة على إحداث قدر من التحول في مسألة الحريات والديمقراطية للشعوب العربية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/02/27، العدد: 9482، ص(18)]

بعد انطلاق شبكة الإنترنت، أصبح (كل صحفي ناشر) أو (كل مواطن ناشر)، فخلال فترة زمنية قصيرة يمكن لأي كان أن يضع مقالاته على شبكة الإنترنت في موقع خاص أو عام، لتصبح في متناول مئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم، وثمة حقائق، كما يرى عدد من الباحثين العرب، تستحق التوقف في ما يخص الإعلام والإنترنت:

- المعرفة والخبر، وخصوصا في العالم العربي، حيث كانا حصرا على القلة: القلة السياسية والإعلامية، وأصبح الجمهور العربي يعرف ما كان يخفى ويُخفى عنه، ومع أن الفضائيات سبقت الإنترنت في تأسيس شعبية الإعلام في العالم العربي، إلا أنها تبدو مرحلة وحسب، سرعان ما تكون جزءا من شيء موحد اسمه الشبكة: شبكة الصوت والصورة والنص والأرشيف. كل معلومة متوفرة لا تبعد عن متلقيها أكثر من نقرة على فأرة الكمبيوتر.

- مواقع الإنترنت الخبرية: فقد تميزت منذ البدء في انطلاقتها وإن وقعت في أخطاء الخبر المقتضب والخفيف مما أساء إلى معظمها بدل جعلها المعيار الذي يصيغ شكل إعلام الغد. لكنها تمكنت من فرض نفسها بقوة رغم ضعف الإمكانيات المتاحة لها وعدم إيمان المعلن بجدوى وجودها إلا مؤخرا. ونستطيع القول إن الصحف ومحطات التلفزيون الفضائية والأرضية تقلد ما بدأته مواقع الإنترنت الخبرية محتوى وتصميما.

- للإعلام العربي عبر الإنترنت مستقبل كبير. فكلما اندمج المواطن العربي في مسيرة العمل والتحديث ومواكبة العصر، كلما ابتعد عن شاشة التلفزيون التي تشغل ساعات طويلة من يومه.

- التلفزيون يعرض الأخبار على مدار الساعة، ولكنه لا يستطيع أن يقدم كل شيء دفعة واحدة، وفي الإنترنت لا يوجد ما يمنعنا من الاطلاع على عشرة عناوين للأخبار دفعة واحدة وأن نقرأ (أو نسمع أو نرى) الخبر الذي يحتل الأولوية لدينا. فالفضائيات والمحطات الأرضية تحاول استعادة المبادرة من خلال الشريط الإخباري المتحرك أو من خلال الإعلان عن الأخبار العاجلة. لكن المشاهد هذه الأيام نهم ولا يكتفي بالعناوين.

- هناك بوادر قوية للتغيير الذي يصنعه الإعلام في العالم العربي. ثمة جيل ينشأ على توفر المعلومة كحقيقة. لكن في المقابل ثمة استخفاف بقيمة المعلومة التي يوفرها الإعلام واستخفاف أكثر بتسخيرها لخدمة المعرفة.

وتشير الكثير من الدراسات العلمية حول (الإنترنت والعالم العربي) إلى أن العرب، رغم اختلافاتهم الأيديولوجية السياسية والثقافية، فإنهم يقفون مع شبكة الإنترنت للمرة الأولى بلا حدود حقيقية تفصلهم أو حواجز تعترض تواصلهم أو تعوق عملية انتقال المعرفة بينهم؛ إذ أتاحت الإنترنت للعرب إمكانية الخوض في مناقشات ومناظرات حول الدين والمرأة والحكم بجرأة وحرية كبيرة، بل يمكننا القول إن الإنترنت أصبحت منبرا حرا في الوطن العربي بعدما أرست مجموعة من القواعد الضمنية للتواصل بين الأفراد والجماعات والقوميات المختلفة، وأتاحت إمكانية الانفتاح على المجتمع العالمي على اعتبار أن أية تكنولوجيا تعمل تدريجيا على خلق بيئة إنسانية جديدة، وستجبر القادة العرب على السماح بحريات أكثر. كما ستؤثر الإنترنت في الرأي العام وصنع القرار السياسي العربي، حيث أن استخدام الإنترنت سيؤدي إلى إيجاد نظام سياسي يتسم باللامركزية والانفتاح الديمقراطي.

ويلاحظ وجود تباين كبير بين الدول العربية في الترحيب بحرية انتشار المعلومات التي توفرها الإنترنت، مع وجود نظرة مستقبلية للإنترنت في العالم العربي يمكن تلخيصها في الآتي:

- إن الإنترنت خلقت مساحة كبيرة للتفاعل الاجتماعي في العالم العربي، وهو ما يشكل مساحة جديدة في الواقع الاجتماعي قد تفعل أساسيات قبول الآخر، وإيجاد التفاهم بين الشعوب وإنشاء مجتمع مدني أكثر قوة وحيوية.

- تمثل الإنترنت أهمية كبرى للتنمية والإصلاح في الوطن العربي، فهي كسرت احتكار المعرفة، حيث أن بالإمكان أن تتحول الإنترنت، وكل مظاهر الإعلام الجديد الرقمي في الوطن العربي إلى فاعل ومحرك للتحرر الاجتماعي وتحرير المرأة، وكسر احتكار السوق، حيث تعد التقانة، ولا سيما التقانة المتقدمة معيار القوة الأساسي في القرن الحادي والعشرين والتقدم التقاني من أهم عناصر التنمية الشاملة.

وأخيرا إن الحكومات العربية تتعامل مع الإنترنت بانزعاج كبير وحساسية وحذر شديدين على اعتبار أن الإنترنت قادرة على إحداث قدر من التحول في مسألة الحريات والديمقراطية للشعوب العربية.

أكاديمي وإعلامي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر