الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

حافات الانتحار السياسي

الأحزاب السياسية ستدخل حافة الانتحار السياسي في الجولة المقبلة من الانتخابات، إذا استمرت دون مراجعة تضع المواطن في أولوياتها، وتنتهج برنامجا يحرم الطائفية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/03/03، العدد: 9486، ص(9)]

ما أثارني لكتابة هذا الموضوع هو خبر انتحار الجندي الأميركي المحكوم مدى الحياة في سجن أريزونا بأميركا بجريمة اغتصاب الفتاة العراقية عبير الجنابي، حيث قتلها هي وعائلتها عام 2006، وقد تناقلت هذا الخبر الصحافة الأميركية وبعض الصحف العربية، وتجاهلته وسائل الإعلام العراقية الرسمية. مع أنه خبر ذو دلالة مهمة، ولعله غير مهم في نظرهم لأن أخبار الاغتصاب والقتل داخل سجون الحكام خاصة في كل من العراق وسوريا، أصبحت اعتيادية. فحين يصل المجرم إلى درجة اليأس من الحياة والطريق المسدود يقوده مصيره إلى الانتحار، وهذه النتيجة تنسحب على المواقف السياسية حين تتلاشى الرؤية الواضحة، وتتلبد غيوم المسرح السياسي يصل السياسيون إلى حالة الانتحار السياسي أو ما يعبر عنها بالهاوية التي تلي حافاتها الخطرة. في العراق حالات الانتحار السياسي كثيرة يمارسها من دخل السياسة عبر المنافي أو المساجد والحسينيات. وكلها مواقع لا تنتج سياسيين قادرين على إدارة دولة في أكثر بقاع المنطقة استراتيجية وهي العراق، وفي بيئة تفككت فيها الهويات الوطنية إلى ولاءات للعرق أو الطائفة.

من تبوأوا مواقع العمل السياسي والسلطوي في العراق منذ عام 2003 حائرون في التوفيق بين مصالحهم الذاتية التي تكبر يوميا، وبين مصالح أحزابهم، بعيدا عن رغبات الناس. لقد دخلت الكثير من الجماعات دوائر العمل السياسي مشحونة بدوافع الثأر والحقد، بدلا من التسامح والسلم الأهلي. ولهذا بعد مرور عشر سنوات على سلطة الاحتلال والطائفية فيما بعد، لم نر مشروعا وطنيا عراقيا وبرنامجا سياسيا يجسد وحدة الشعب وآماله لخوض الانتخابات في دوراتها السابقة أو اللاحقة. وهذه هي إحدى الوسائل التي تغيّب تقاليد العمل الديمقراطي. فالأحزاب الطائفية التي تسود العراق وتتحكم في مصير أهله لا تمتلك مواقف تجاه أزمات البلد، والموقف الوحيد هو الحفاظ على سلطة الحكم. ولعل من الأمثلة الأكثر حساسية، حين تعامل المالكي مع الاتفاقية الأمنية خلال فترة نقاشها عام 2009 بين قيادة الاحتلال ممثلة بالجنرال “اوديرنو” الذي هدد الحكومة العراقية بسحب الدعم الأمني والمالي إذا لم توقّع على تلك الاتفاقية التي تلي الانسحاب، فوصف المالكي في حينها الاتفاقية بأنها “انتحار سياسي” لكنه وقعها في النهاية.

تهربت جميع الأحزاب من مواجهة الجمهور العراقي، ولعل افتقاد أية حركة لعلاقتها بالجمهور يعني موتها بعد وصولها إلى حافات الانتحار السياسي. فجسور العلاقة اليوم بين الجمهور والحكومة مقطوعة، حيث جعلت الحكومة قطاعا كبيرا من الشعب خصوما لها، فبماذا يوصف الإصرار على عدم الاستجابة للمطالب المشروعة للناس والاستخفاف بها، بل واعتبارها أغطية لمشاريع طائفية، مع أن أصحابها يعتقدون أنهم من الطائفة المظلومة، واستخدام الوسائل البوليسية والدموية لقمع التظاهرات والاعتصامات السلمية تحت ذرائع “محاربة الإرهاب” مع أن المواطنين هم الضحايا الحقيقيون للإرهاب؟ لكن أولئك المسؤولين هم بذات الوقت يبحثون عن الوسائل التسويقية لإغواء أبناء الطائفة التي ينتمي إليها الحاكم مثل “قوانين المجاهدين وردّ الاعتبار للمسجونين” وهي حينما تكون عادلة وتشمل الجميع لا ضير فيها. لكن حتى قوانين إعادة المفصولين السياسيين طُبّقت وفق حالات انتقائية غير عادلة، فإلى جانب مئات القصص المفبركة لترتيب حالات الفصل السياسي لكي يتقاضى أصحابها المبالغ الطائلة بأثر رجعي، هناك من فصلوا علنا من قبل النظام السابق وهم معروفون لدى المعارضة العراقية السابقة بأنهم من بين صفوفها، ثم صدرت في حقهم قرارات وزارية عام 2007 بالإعادة إلى الوظيفة وفق قانون إعادة المفصولين، لكن لجنة في مجلس الوزراء لا تعتبرهم كذلك لكونهم خدموا الدولة العراقية في العهد السابق. أليست هي مواقف الهاوية والانتحار السياسي؟

أليست غالبية الإجراءات والقرارات الحكومية تسير في اتجاه معاكس لحركة التقدم والمدنية والأمن والاستقرار التي يستحقها أبناء العراق، ومن الصعب عرض قائمة بأسماء تلك المسيرة السياسية الحافلة بالتقوقع نحو الطائفية السياسية، مع أن الفرص متاحة أمام من يتحكمون في السلطة لبناء عراق مزدهر بالعدالة والمساواة والتحضر. وآخر الأمثلة موافقة الحكومة على إصدار “القانون الجعفري للأحوال الشخصية” الذي يشكل انتكاسة للحياة الاجتماعية العراقية الموحدة. والمثال الآخر هو الموقف من حالة الانهيار الأمني، أليس من العدالة وإنصاف العراقيين التعويض عن الخطاب الرسمي من قبل رئيس الوزراء القائل إن الجيش قادر على حرق مدينة الفلوجة بأكملها لكنه لا يقوم بذلك، بإجراء محاسبة علنية للمسؤولين العسكريين والأمنيين المتسببين في الانهيار الأمني، وقسم منهم مسؤول عن تهريب مساجين تنظيم القاعدة في سجن أبي غريب، بغطاء سياسي حسب اعتراف وزير العدل العراقي.

هل وقف حزب أو مجموعة سياسية أو مسؤول أمام الجمهور العراقي واعترف بأخطائه وعدم استجابته لمطالب المحرومين أو من يدعي تمثيلهم طائفياً؟ بل إن البديل هو استخدام ورقة الانتخابات المقبلة لعمليات المداهمات أو الإعدام السياسي إذا تطلب الأمر ذلك؟ وإذا راجعنا حملة الحراك السياسي الحالية قبيل الانتخابات، هل نجدها قد خرجت من عباءة التخندق الطائفي إلى عباءة الوطن، لكي تنفتح أمام الناس نافذة أمل جديد لخروج العراق من المأزق الطائفي. هل أطلت على المشهد مشاريع جديدة تشير إلى مراجعات جدية للأحزاب الحالية أو لحركات جديدة ترفع عناوين “الوطنية”؟ أم أن على المواطن الذهاب إلى مرشحي طائفته واختيار الأكثر قربا من الكبار في السلطة لأنهم الرابحون.

الأحزاب والقوى السياسية ستدخل حافة الانتحار السياسي في الجولة المقبلة من الانتخابات، إذا ما استمرت دون مراجعة جوهرية تضع قضية المواطن في أولوياتها، وتنتهج برنامجا سياسيا يحّرم الطائفية ويعيد الاعتبار إلى ابناء العراق المبتلين بالكوارث الإنسانية، ويتم إطلاق سراح المعتقلين وتسود شعارات التسامح والسلم والعدالة وتنتهي سياسة “خلق الأزمات وإشعال الحرائق ثم إطفائها” لإلهاء الناس.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر