الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

المنافسة الانتخابية واللعب في التوقيت الخطأ

العملية السياسية التي أنتجت منظومات العمل الحكومي لم تقم على برنامج وطني واضح، بل على مخططات هدفها الاستحواذ على السلطة.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/03/10، العدد: 9493، ص(8)]

يبدو أن الوضع العراقي فريد من نوعه في عالم السياسة والديمقراطيات الحديثة، خصوصا في مسألة المنافسة الانتخابية حيث يعلن الخاسر أمام مرشحيه استسلامه وفسح المجال أمام الآخرين الطامحين بالفوز من أجل الإنجاز. أما في العراق فالشوط الانتخابي الأول عام 2006 كان مرتبكاً، وخضع لمعايير الشحن المذهبي والطائفي وسط فتاوى من وجهاء أهل العرب السنة طالبت بمقاطعة الانتخابات لأنها حسب رأيهم “داعمة للاحتلال الأميركي”، فيما استثمر الحزب الإسلامي العراقي هذا الانسحاب غير المبرر لكي يملأ مساحة “الضلع السني” الذي كان مطلوباً لإكمال المثلث الطائفي الذي استندت عليه العملية السياسية منذ عام 2003 إلى حد اليوم.

شراكة العملية السياسية التي أنتجت منظومات العمل الحكومي لم تقم على مشروع سياسي وبرنامج وطني واضح، وكل حركة أو حزب لم يلتق مع الحزب الآخر على مشتركات واضحة بل على مخططات هدفها الاستحواذ على السلطة، والائتلافات الانتخابية بنيت على هذه الحالة وفق القسمة الطائفية التي رسمها بريمر.

ولهذا ظلت مسيرة العملية السياسية عرجاء ومنتجة للأزمات، بدلاً من أن تدخل في مسيرة الإنجازات. فقد تقدم الملف الأمني على كافة الملفات، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2004 من حله لأسباب مركبة صنعها الاحتلال الأميركي ذاته حين حل الجيش الوطني العراقي وحول قرابة المليون عسكري مهني إلى حقل خصب للتنظيمات المتطرفة وخاصة القاعدة، التي حلمت بتحويل العراق إلى ساحة منازلة مع القوات الأميركية مع أن الكثير من التقارير تقول بأن تنظيم القاعدة ليس بعيداً عن تأجير خدماته للعبة الدولية القذرة في المنطقة، وهدفها تحطيم القدرات العربية والعراقية بصورة خاصة وتفتيت مجتمعاتها وقواها المدنية وزرع الخلافات والصراعات الطائفية والعرقية، وللأسف نجحت في العراق بصورة لم يتوقعها مصممو تلك اللعبة أنفسهم. لقد غرق العراق بمشكلاته لكن تدفق الموارد النفطية استمر وتضاعفت مردوداته.

وأمام تلك الظروف الاستثنائية لم يتمكن مبدأ الشراكة السياسية والتوافق من الإيفاء بالالتزامات الوطنية والإنسانية لشعب أثقلته الحروب والحصار، كان هذا الشعب بحاجة إلى قوى سياسية ذات إرادة في التغيير، وليس إلى أحزاب تجر وراءها قوافل المليشيات المسلحة التي أدارت عمليات القتل والاختطاف فيظل غياب الجيش. ولم تكن الشراكة سوى محطة كشفت عمق التناقضات بين أطراف العملية السياسية معززة بدستور ملغوم بالأزمات. وكانت أخطر الظروف التي مر بها عرب العراق الحرب الطائفية عامي 2006 و2007 التي تم بعدها تكريس نزعات الحقد والكراهية بين أبناء الشعب الواحد على أسس الاختلاف الطائفي معززة بخطاب إعلامي ودعوي تم تمريره في نفوس الشباب عبر بعض القنوات الفضائية والإذاعات والصحف، بتغييب مقصود للثقافة الوطنية، وكانت الأحزاب والكتل السياسية هي المسؤولة عن هذا الشرخ الكبير.

كانت السمة البارزة لمسيرة العشر سنوات الماضية الغرق في تفصيلات الانهيار الأمني وعدم الوضوح والثبات في المواقف. فرئيسا المؤسستين التشريعية والتنفيذية في البلد يدخلان بين فترة وأخرى في خلافات علنية، لكنهما يعودان إلى لوفاق أمام عدسات الشاشات، دون أن يعرف المواطن الأسباب الحقيقية لتلك الخلافات. فيما تدخل الخصومة هذه الأيام مرحلة تبدو خطيرة على الوضع العراقي، ويرى البعض إنها مجرد تسويق إعلامي لحمى الانتخابات.

تحولت أزمة الأنبار من اعتصامات سلمية إلى صراع عسكري تداخلت فيه المطالب الشعبية بدخول تنظيمات داعش إلى كل من الرمادي والفلوجة وسط غموض في المعلومات وردود الفعل العسكرية من قبل المركز. ويبدو أن ما يثير الغموض هي المواقف المتناقضة ما بين قيادة “متحدون” التي يقودها النجيفي رئيس البرلمان، وما بين المحافظ الذي يمثل قائمة “متحدون” نفسها الذي ساير خطة الحكومة منذ بدايتها وساهم وأدار مشروع المبادرة لحل أزمة الأنبار سلمياً. وهو نفسه الذي أعلن في مجلس الوزراء أمام رئيسه بأن أفراد داعش الذين دخلوا الفلوجة لا يتجاوز عددهم 32 فرداً، إلى جانب تصريحات بذات الخط للشيخ أبو ريشة الذي استعاد ثقة المالكي مجدداً.

وصل السجال السياسي والإعلامي بين المالكي والنجيفي إلى مرحلة التخوين بالدستور والشرعية، حيث أعلن النجيفي في مؤتمر صحفي بأن تصريحات المالكي التي أشار فيها إلى انتهاء مؤسسة البرلمان ورفضه حضور الجلسة الخاصة بالأنبار، واتخاذه إجراءات تنفيذ الصرف الحكومي على الميزانية لأن البرلمان قد عطلها، بأنها بمثابة انقلاب عسكري. إلى جانب لعب قيادة كردستان على وتر التصعيد ضد المالكي لأسباب لا تتعلق بملفات العراق الأمنية والسياسية، وإنما من أجل الاستحواذ على مزيد من مكتسبات الكرد في ثروات العراق. إضافة إلى اتخاذ السيد مقتدى الصدر لموقفه النقدي للمالكي الذي تبعه باعتزال للعمل السياسي، فيما نجد السيد عمار الحكيم يمسك العصا من الوسط في نقده لموقف المالكي الأخير.

ولا يعرف أحد تداعيات السيناريو المقبل للخصومة الإعلامية بين المالكي والنجيفي قبل شهر ونصف عن الانتخابات. مع أن جميع المعطيات لا تشير إلى جدية الأزمة بين البرلمان والحكومة. فإذا اعتقد النجيفي بأنه تم تهميش البرلمان لصالح نفوذ رئيس الوزراء، فلماذا هذا التوقيت للتصعيد، وهل المصافحات والقبل كانت عابرة، ولأغراض شاشات التلفزيون خلال الاجتماع التصالحي برعاية السيد عمار الحكيم وعدم حضور إياد علاوي والسيد مقتدى الصدر، فيما نأى مسعود البرزاني بنفسه عن تلك الأزمة.

هل تريد قائمة “متحدون” أن تصور لجمهورها أنها قوية وثقيلة الوزن وتتقدم على القوائم الأخرى “كالوطنية العراقية والعربية والحل والكرامة” وجميعها قوائم كانت تحت خيمة العراقية؟ أمام قائمة “دولة القانون” التي ستدخل الانتخابات منفردة، وقد تتحالف مع قوى البيت الشيعي وفق معطيات النتائج المقبلة. إذن القوى الرئيسية الفاعلة في الساحة السياسية لا تدير حالة المنافسة الانتخابية بطريقة مدنية راقية.

ومع إن الوقت يبدو متأخراً لمراجعات جدّية من قبل جميع الكتل السياسية، إلا أن الإحباط يسود الشارع العراقي، وإن المواطنين، وخصوصاً الفقراء وهم الأكثرية في العراق متوقع ذهابهم بكثافة لصناديق الاقتراع، ولا يتوقع أن تتغير الصورة العامة لعناوين القوى السياسية، حتى وإن ظهرت ائتلافات ترفع شعارات لا طائفية.

ما هو مطلوب اليوم، استثمار الفرصة الانتخابية للالتصاق بهموم الناس، والابتعاد عن الشغف بالمصالح الفئوية والذاتية، فهذا الشعب يستحق قادة وبرلمانيين يتناسبون ومكانته. فالصراع يبدو لعباً بالأوراق في التوقيت الخطأ.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر