الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

أين تكمن ساحات الحروب السياسية القادمة

الأيام القادمة ستشهد حروبا سيبرنيتية شرسة، ساحاتها الفضاءات الرقمية، حيث تتحول الحرب الإكترونية إلى تجربة حروب المستقبل بامتياز.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/03/18، العدد: 9501، ص(6)]

تنشط العديد من الدول ولا سيما الصين وروسيا والولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا وأنكلترا و(إسرائيل) وبعض الدول من الصف الثاني والثالث كالهند وباكستان وكوريا الشمالية وإيران بصورة صامتة لتطوير قدراتها في الحرب الإلكترونية وبناء جيوش من الخبراء الذين قد يشكّلون مستقبلا نواة الجيش الإلكتروني للدولة. وذلك لإدراكها أهمية التقنية في الحروب السياسية والحرب النفسية.

وتتركز أشكال العدوان المعلوماتي بين الهجوم على البيانات والبرمجيات والدخول غير الشرعي والقرصنة والهجمات المادية على مواقع المعلومات. أما أهدافه فهي: الاستغلال، والخداع، وخلق الفوضى، وأخيرا تدمير المعلومات ونظمها.

ولا ريب أن بعض المحللين وصف حرب الخليج الأولى سنة 1991 بأنها “حرب المعلومات الأولى”. وقد دخلت هذه العبارة قاموس الإعلام الشعبي منذ ذلك الحين. كما يجمع الخبراء على أنّ الهجوم الإلكتروني الذي استهدف أستونيا في العام 2007، يكاد يكون الهجوم الإلكتروني الأول في العالم، حيث استخدم لتعطيل المواقع الإلكترونية الحكومية والتجارية والمصرفية والإعلامية مسببا خسائر بعشرات الملايين من الدولارات، إضافة إلى شلل البلاد.

وقد حذر المستشار السابق للبيت الأبيض في مكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك وروبرت نيك الذي يشغل منصبا رفيعا في مجلس العلاقات الخارجية منذ العام 2011، من أن الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم إلكتروني قد يدمرها أو يشل قدرتها على الرد الفعال في غضون 15 دقيقة. ولذلك استعدت واشنطن لحرب إلكترونية محتملة، حيث بدأت في التدريب

على الاستعداد لهجوم محتمل فيما يعرف باسم”العاصفة الإلكترونية 3" وشمل التدريب وكالات حكومية و60 منظمة من القطاع الخاص والبنوك وقطاعات الطاقة والطاقة النووية والكيميائية. كما تضمنت سيناريو تعرض أميركا لهجوم

على 1500 هدف محتمل وكيفية مواجهته. لذلك رصدت الولايات المتحدة أكثر من 10 مليارات دولار على الأمن الإلكتروني بحلول العام 2015.

ووفقا لشركة “نورثروب كينت شنايدر”، ستصل قيمة سوق الأسلحة الإلكترونية والأمنية إلى مئة مليار دولار.

واتضح من دراسة علمية أن تفوق الصين في المجال الإلكتروني أصبح يمكّنها من التسلل إلى المواقع الإلكترونية الأكثر أهمية لها، مثلا في القواعد العسكرية الأميركية الممتدة من كوريا الجنوبية إلى اليابان ثم إلى جزيرة (غوام) في المحيط الهادئ وصولا إلى قواعدها في الخليج العربي، أي ما يشكل نقط التماس مع خط الدفاع الأول عن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية في الشرقين الأقصى والأوسط، وبالتالي تدمير أو تعطيل تلك المواقع الإلكترونية وما تحتويه من معطيات استراتيجية وخطط عسكرية، بهدف كسب الحرب قبل أن تبدأ.

بينما روسيا تتبنى كما الصين تطوير قدراتها في الحرب الإلكترونية لاسيما في الشق الهجومي، لكن الواضح أنّ روسيا ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي تعتمد على وسائل أقل تكلفة وأكثر فاعلية في مواجهة الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي.

إذ تعد القدرات اللا تناظرية ومن ضمنها الحرب الإلكترونية إحدى أهم وسائل المواجهة في ظل التفوق العسكري للناتو وواشنطن.

أما إنكلترا فقد قامت بإصدار إستراتيجية الأمن الإلكتروني القومية في يونيو 2009، وإنشاء وحدة الأمن الإلكتروني ومركز العمليات ومقرّه وكالة الاستخبارات القومية، وبدأت وظيفتها عمليا في شهر مارس 2010.

أما (إسرائيل) فقد أصبحت الحرب الإلكترونية ركنا رئيسيا لها في التخطيط الاستراتيجي، وتعد الوحدة 8200 في الجيش الإسرائيلي أكثر الوحدات تطورا من الناحية التقنية والتكنولوجية ولها نشاطات واسعة في حروب الإنترنت والشبكات، وقد انضم إليها الآلاف من العقول الإسرائيلية منذ إنشائها نظرا إلى شهرتها الواسعة حيث تعمل على ضمان التفوق النوعي لإسرائيل من خلال عمليات دفاعية أو هجومية في الفضاء الإلكتروني. وتمّ تصنيف هذه الوحدة من قبل بعض المؤسسات المعنيّة بأنها أكبر سادس مطلق لهجمات الإنترنت في العالم، حيث تقوم على استقطاب وتجنيد الأطفال الإسرائيليين من النخبة حتى قبل إنهائهم دراستهم الثانوية، عندما يبلغ هؤلاء سن الـ25 عاما، يكون لديهم أكثر من 7 سنوات خبرة عملية في مجال التكنولوجيا.

بينما إيران، ومنذ اكتشاف (ستوكسنت) “فيروس أضر بالبرنامج النووي الإيراني وعرقل تقدمه” فقد جندت مبالغ كبيرة لتعويض تأخرها في هذا القطاع ووضعت عدة بنى تحتية مدنية في تصرف الحرس الثوري، كما أن الباسيج أنشأ “مجلس الفضاء السيبراني” المتخصص.

عربياً، عرف الصراع العربي الإسرائيلي شكلا مبسطا من تلك الحروب، في أعقاب المعارك بين حزب الله و (إسرائيل) في يوليو 2006، عندما قامت مجموعة من “الهاكرز الإسرائيليين” بشن هجمات على مواقع إنترنت عربية وإسلامية في عدد من البلدان العربية والإسلامية مثل لبنان والأردن والكويت وإيران. كما جاء الرد العربي من مجموعة مغربية عندما نجحت في الاستيلاء على 1000 موقع إسرائيلي من بينها موقع مستشفى (وداميام) وبنك (مايوليهم)، وقامت باستبدال الصفحات الرئيسية بصور ومقالات تدين الأعمال الإسرائيلية.

من جهتها قامت دول الخليج العربي باتخاذ عدة إجراءات لتحسين طرق حماية بناها التحتية مثل شراء أجهزة متطورة تتيح حماية أفضل للأنظمة المعلوماتية والتعاون في ما بينها عبر مركز إقليمي للأمن المعلوماتي تم إنشاؤه في مارس 2003 ومركزه في عمان.

ودون شك فإن قادم الأيام سيشهد حروبا سيبرنيتية شرسة، ساحاتها الفضاءات الرقمية، حيث تتحول الحرب الإكترونية إلى تجربة حروب المستقبل بامتياز وتجري في عالم الإنترنت بشكل قوي!

إعلامي وأكاديمي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر