الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

فـي رثــاء هاتـف

تاريخ من الماضي يحمله الهاتف مع صور تعيد الذكريات إلى أيام الثورة وأحداثها المؤلمة تضيع في غمضة عين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/08/20، العدد: 9295، ص(14)]

بعد صحبة ست سنوات، فقدت تليفوني NOKIA N73 له المجد، وعليه ذكريات عزيزة.. رسائل قصيرة شخصية، وبيانات عسكرية وتحذيريات طوال 18 يوما أنهت حكم مبارك، صور لأولادي وهم يكبرون، قبل أن ينضجوا بقدر كاف يحرضهم على السخرية من الجهاز القديم، وعدم تصورهم رجلا محترما يحمل هذا التليفون "الكهنة"، ولا يحفظون للجهاز المحترم جميل حفظه صورهم في رحلات أرهقتني كثيرا وأسعدتهم، في منطقة الأهرام ومعابد الأقصر وأسوان وغيرها. لم تصدق (ملك) أن المطعم الدوار في برج القاهرة يدور، وفي مقطع فيديو كانت (سلمى) تدربها على تقمص شخصية عبد الناصر وهو يعلن تأميم قناة السويس شركة مساهمة مصرية، ومقطع فيديو آخر يستبدل فيه (آدم) المشاغبة بالكلام قبل أن يتعلم النطق. رسائل من أصدقاء وصديقات قبل انطلاق الثورة، في 25 يناير 2011، وعبر منحنياتها الآسنة، ودمائها المستمرة، رسائل أرواح صديقة من اليمن والمغرب والسودان والعراق ولبنان والجزائر وفرنسا وبريطانيا، منها رسالة محبة من سوريا تسأل عن بطلة روايتي (أول النهار): "مين هند يا سعد؟ تجنن، عم تاخد العقل"، ورسالة أرسلها بهاء طاهر من جنوب أفريقيا، بعد انتهائه من قراءة (الثورة الآن).

في محطة الوقود، يسمونها البنزينة، 6 مساء الجمعة 12 يوليو، قبيل الإفطار، وهو يوم عزيز جدا، كنت في ميدان الشون بالمحلة الكبرى، الميدان الذي شهد حركات التمرد في المدينة الصناعية الصاخبة طوال الأشهر الماضية، وعلى شمالي شباب حركة "تمرد" يجهزون المنصة، وأمامي عدد كبير من الدراجات النارية، كل يريد كذا "رتل بنزيم" (بألفاظ المهندس محمد مرسي غير المأسوف عليه، وكان الرئيس المخلوع يقصد القول.. "لتر بنزين"). كان يمكنني أن أضع الموبايل في جيبي، أو في سيالة الجلباب ذي السيالتين، وكل منهما تكفي لحمل 10 تليفونات! ولكني فقدت التليفون في غمضة وأنا في سيارتي، بمجرد دخول محطة الوقود.

أحتفظ عليه برسائل أصدقاء يبلغونني موت أمهاتهم، ومقاطع من قصائد شعراء يؤرخون ليوميات الثورة، ورسالة من هشام علوان بعد بيان الجيش في 1 يوليو 2013: "مبروك. القادم أصعب"، ورسائل الجيش التي طمأنتنا قبل خلع مبارك، ورسائل بعضها حجة على مثقفين، ودليل ازدواجيتهم، منها رسالة من خالد الصاوي، الممثل الذي انحاز للثورة المصرية منذ البداية، ولكنه مثل كثيرين يرون الثورة حيث يكون ويشارك، لا حيث يصرخ ضحايا الاستبداد، مطالبين بالحق في الحرية.

كنا في أول مايو 2011، والثورة السورية يتيمة، لا أحد يسمع صوتا لأطفال درعا، والفضائيات مشغولة بصخب القذافي، وتهديدات ابنه سيف، وغير مسموح بوجودها في الشام. كان نوري الجراح دائم الاتصال والاطمئنان حتى بعد رحيل مبارك، ويراهن على قدرة الثورة المصرية على تغيير وجه المنطقة، وزلزلة عروش الطغاة، ويقول إن هذه الثورة لا تخص المصريين وحدهم. واقترح علي كتابة بيان يتبناه الصاوي، والرجل لا يعرفني، وجرى بيننا يوما اتصال عابر، وكلمته وفوجئت بفتوره، وقلت له إن من الأفضل ان يكلمك صديقي من لندن، وسيقنعك بالحماس للثورة السورية، فقال إنه لن يرد على اتصالات ممن لا يعرفهم!

تأكد لي أن اللص خفيف اليد الذي أغلق الهاتف لن يفكر في إعادته، رغم الصيام. في الليل، كنت أريد عزاء حتى أعود للقاهرة فجرا، وتجاورت في المكتبة ثلاثة كتب أريد إعادة قراءتها.. (ما بعد الإخوان المسلمين) لجمال البنا، و(أيام الإنسان السبعة) لعبد الحكيم قاسم، و(صخب البحيرة) لمحمد البساطي. ظللت مع أبطال البساطي حتى مطلع الفجر، وترحمت على رجل لو لم يكتب إلا هذا العمل مع (الخالدية) لكفاه.

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

العالم الآن

:: اختيارات المحرر