الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

اللعبة انتهت في العراق

تراكم عشر سنوات من الفشل الأمني والخدماتي، كشف لعبة التمثيل الطائفي، ووجدت حكومة المالكي نفسها أمام مأزق سببه التناقض بين حالتي «التوافق والانفراد السياسي والأمني».

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/08/21، العدد: 9296، ص(9)]

التفكيك الطائفي في العراق خططت له إدارة بوش بتوصيات مجموعة اليمين المتشدد، ونفذته أدوات سياسية محلية من الأحزاب الطائفية ضد شعب لم يكن مفككاً قبل عام 2003.

لا ننكر أن المكونات الإثنية والعرقية للعراق متعددة، ويندر أن يخلو مجتمع من تعددية الإثنيات والأعراق، فالولايات المتحدة الأميركية هي من أكثر دول العالم تنوعاً عرقياً وإثنياً في العدد والنوع، لكن جميع تلك الأعراق والطوائف خضعت لدولة المواطنة الحديثة بعد الاستقلال تحت راية واحدة ودستور موحد، وأصبحت مركزا حضاريا جاذبا لقوافل الراغبين في مستقبل أمثل للإنسانية. وكان يفترض بموردي الديمقراطية الغربية المحتلين أن يعمموا هذه التقاليد على العراق الذي فصلّوا نظامه، لا أن ينفذوا مشروع التمزيق الطائفي وفق وصفة مثلث الشيعة- السنة- الأكراد.

وكانت إيران هي المشجّع الأول لهذه اللعبة، لتسهيل مهمتها التوسعية داخل العراق، لأن بناء دولة مواطنة مدنية حديثة على أعقاب النظام السابق، يضيّق الفرص أمام النفوذ المذهبي والطائفي الذي استخدمته إيران كغطاء لمشروعها. وهذه واحدة من عناصر الالتقاء والتوافق ما بينها وبين واشنطن التي يبدو أنها ليست نادمة لحد اللحظة على تنفيذها لهذا المشروع الخطير، الذي شجع أيضاً من قبل إسرائيل القائمة على كيان إثني متعصب يعطيها مكانة التسيّد للكيانات الطائفية والعنصرية في المنطقة.

من هنا أخذت تتفاعل عناصر الصراع وتصطدم داخل العراق بسرعة من السياسي إلى الاجتماعي، وابتدأ شوط «اللعبة القذرة» Dirty Game ضد شعب منهك من حربين مدمرتين متتاليتين الخليج الأولى والثانية، بين 1980-1988 ثم بين 1990 و1991.

مفردات اللعبة كثيرة ومتعددة أخطرها إشعال النار في جميع قواعد ومقومات الدولة العراقية، بعد الاجتياح العسكري القائم على نظرية رامسفيلد «الصدمة والرعب» وفي مقدمتها مؤسسة الجيش الوطني لكي لا يكون في لحظة من لحظات هاوية الانحدار ملاذاً ومنقذاً للشعب العراقي، مثلما أصبح عليه الجيش المصري في يناير ويونيو 2013، وتدمير وإزاحة وسحق معنوي ومادي للطبقة الوسطى التي بُني معمارها على مدى سبعين عاماً من العلماء والأطباء والمهندسين والمثقفين والأدباء والفنانين. أتاحت قيادة الاحتلال الأميركي الفرص الخيالية لكل من رفع شعارات الطائفية المقيتة وعمل وفقها، ووفرت لهم وسائل الإعلام والتواصل، وهي تعلم بأن تلك الخطوات تصب الزيت في نار الطائفية المتأججة، بل وعززت كل دعائم القوة والانتشار لثقافة الانقسام الاجتماعي، وزجت في مختلف الميادين بعناصر بشرية ككوادر قيادية لبناء النظام الجديد على مستوى الحكومة والمجتمع، ودفعت خلال شهور قصيرة بعد 2003 رهطا كبيرا من أنصاف السياسيين والأميين ممن حملوا راية الثأر والانتقام لكل من انتسب للدولة العراقية العريقة، ليأخذوا مواقع كانت أشبه بالحلم بالنسبة لهم ولقياداتهم الحزبية.

يضاف إلى ذلك انتظام رهط واسع من دعاة القتل والتدمير في مليشيات مسلحة تسابقت فيما بينها في تسجيل أعلى أرقام ذبح الناس الأبرياء على الهوية خصوصاً خلال عامي 2006 و2007 بصورة مرعبة، وجرى مسلسل إلغاء الآخر وإقصائه وإخلاء الساحتين السياسية والأمنية من المناوئين للمشروع الطائفي بجانبيه السني والشيعي، ولم تعط الفرص حتى أمام غالبية المعارضين الوطنيين لحكم صدام حسين من التواجد على ملعب التغيير إن لم ينتظموا تحت الخانة الطائفية. كان المطلوب على المستوى السياسي تنظيف الساحة من النخب اللاطائفية خوفاً من احتمالات «الإنقاذ الوطني» سياسيا كبديل يسقط قواعد المثلث الطائفي. وليتقدم الصفوف في المجالين الأمني والسياسي العديد من الانتهازيين وبعضهم ممن كان مزايداً في الولاء للنظام السابق. كانت متطلبات اللعبة تقتضي إغراق البلاد في الفوضى الدائمة التي تنتج الدولة الفاشلة، والإذعان لتركيبة المنظومة الديمقراطية في الانتخابات القائمة على المحاصصة الطائفية، والوقوف بوجه أي تيار أو دعوة سياسية عابرة لها، والعمل بمختلف الأساليب على تزوير الانتخابات لقطع الطريق أمام تلك القوى لأنها تتناقض مع فلسفة الحكم القائم.

وهذه الفوضى وفرت الأغطية لمافيات الفساد التي هيمنت على حلقات متقدمة من الحكومة، فالاستقرار الأمني والسياسي يكشف الأضواء على دوائر الفساد وأمرائه، لقد تحوّل الحديث عن فساد مئات الملايين في العراق إلى نوادر بين السياسيين المتنافسين في الهيمنة على الغنائم الكبيرة في قطاعات الدولة المختلفة، وبينها ما يتعلق بخدمات المواطنين الأساسية في الكهرباء والصحة والتعليم وبناء التنمية الصناعية والزراعية، وأصبحت كارتلات الفساد الكبيرة والصغيرة تتفنن في أساليب التخفي والهروب من لحظات انهيار جدران حمايتها يوما ما.

لقد تمت عقود وصفقات ما بين هذه المافيات والسياسيين لمنحهم إمكانيات الاستمرار في لعبة الانتخابات عبر «المال السياسي» والوصول إلى مواقع متقدمة في النظام والحكومة لتحقيق هذا الهدف، والاتفاق على تجديد ذات الوجوه في الانتخابات المقبلة مع تعديلات شكلية بسيطة داخل ما يسمى بالمكونين «السني والشيعي».

ولكن ولأسباب عدة تتعلق بالوضع المحيط للعراق وانحسار مشروع الشرق الأوسط الذي كان مقرراً له الانطلاق من القاعدة العراقية، تراجعت مولدات اللعبة عن قدرتها في الشحن الطائفي المطلوب رغم تصاعد مستويات الفوضى الأمنية. فتراكم عشر سنوات من الفشل الأمني والخدماتي، كشف لعبة التمثيل الطائفي من أبناء الطائفتين السنية والشيعية، ووجدت حكومة نوري المالكي التي انفردت في إدارة جميع الملفات نفسها أمام مأزق سببه التناقض ما بين حالتي «التوافق والانفراد السياسي والأمني» والإخفاقات المتواصلة في جميع الميادين.

لقد استنفدت اللعبة الطائفية جذوتها في الاجتياح العاطفي والاستفراد في مخادعة وتمويه الفقراء والبسطاء من أبناء العراق بعد القمع المنظم لنخبهم. وقد ابتدأ مؤشر شوط الانحدار بالعد السريع، خصوصاً بعد تفكك قوى «التحالف الشيعي» ذاتها مقابل (انفراد حزب الدعوة)، إلى جانب فشل القوى التي ادعت تمثيل «السنة» في مشروعها السياسي لكونه طائفياً أيضاً.

ولن يتمكن الخطاب المتشنج للحكومة الحالية من تحقيق أهدافه لحمايتها، مثل وجود محاولة «انقلابية مفبركة» تتطلب قيام حالة طوارئ بالبلاد، هدفها تأجيل الانتخابات المقبلة، وإحكام سيطرة المالكي على الحكم، أو توزيع الاتهامات لبعض البلدان العربية من منطلقات طائفية لا تخدم العراق مقابل الانحياز لإيران في مشروعها التوسعي في العراق والمنطقة.

انتهت اللعبة في العراق، وما يحصل هو حالة فراغ سياسي وأمني مغطاة بمكابرة السلطة الحاكمة، وتمديد عمر هذه اللعبة الافتراضي مرتبط بسيناريوهات صراع المصالح والنفوذ في المنطقة التي جعلت من سوريا مركزها الدامي بعد استنفاذ العراق لعشر سنوات.

المطلوب في سوريا هو استمرار الحريق لحين إنضاج بديل أكثر تجاوباً مع لعبة الصراع الطائفي في المنطقة ومن ضمنها مصر، والوصول إلى نقطة الإذعان للرغبات الإيرانية قبل الجلوس على مائدة التقاسم، التي أوحت للأميركان بأنها مهيمنة في العراق وسوريا ولبنان (نصر الله) واليمن (الحوثيون) والبحرين (المعارضون الشيعة).

ولا يتوقع وقوع ساعة بدء حوار القسمة المفترضة قبل معرفة احتمالات انعقاد الحوار الأميركي الإيراني المرتقب. والذي سيكون لنا حديث حوله في مقالة مقبلة.

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر