الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

لا منافسة للورقة الطائفية في انتخابات العراق

نهايات اللعبة الانتخابية لن تكون بأياد محلية صرفة، فما زال النفوذ الإقليمي والدولي مشتغلا بالعراق (إيران وأميركا) في المرتبة الأولى وهما اللتان ستقرران الحاكم المقبل في العراق.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/04/07، العدد: 9521، ص(9)]

في الثلاثين من هذا الشهر تحدث أول انتخابات عراقية بعد رحيل الاحتلال الذي أسس أول نظام عربي معاصر عبر قوة الاحتلال العسكرية، قام على التقسيم الإثني والعرقي، والذي عانى منه بلد عربي آخر هو لبنان وما زال رغم التعايش السياسي بين الطوائف اللبنانية.

وإذا ما استبعدنا الوصف الديمقراطي للوضع السياسي العراقي وهو ما تحدثنا عنه في مقالتنا الأسبوع الماضي، فإن مجمل ماكنة الانتخابات في شوطها الذي ابتدأ في الأول من أبريل الحالي تشير إلى أنها تشتغل بآليات تخدم مصالح القوى السياسية المهيمنة مع هامش بسيط للكتل الصغيرة الناشئة، والتي ستذوب بعد الانتخابات داخل بطون الحيتان الكبيرة. وإذا كانت الماكنة الانتخابية لأية حملة تقوم على تقاليد معروفة هي: الدعاية الانتخابية، واستطلاعات الرأي، وطبيعة التنافس المشروع على صوت الناخب، فإن المال السياسي يبقى هو الحاسم للنتائج النهائية للانتخابات.

في العراق هيمنت الأحزاب الدينية على المشهد السياسي خلال السنوات العشر الماضية ليس لاستعدادات نفسية واجتماعية وتاريخية لدى العراقيين لقبول هذا النمط من الأحـزاب، والتي لـم يكـن لديها حضور في تاريـخ الحركة الوطنية العراقيـة منذ تأسيس الدولـة العراقيـة، وإنما لما صاغـه المشروع الأميركي من تفصيل طائفي لثوب المعارضة العراقية التي انتعشـت وهللت لـذلك قبيل 2003 وفيمـا بعد داخل مجلس الحكم، تلبية لرغبات قديمة لقوى اليمين المتطرف الأميركي التي نشطت جاهزيتها وأدارت الملف العراقي في اعتمادها على بناء نظام سياسي طائفي، يستبعد من هيئات الحكم وإدارته في العراق القوى الليبرالية والديمقراطية التي كانت لديها القدرات والاستعدادات الفكرية والسياسية لإدارة الحكم الديمقراطي الجديد على أنقاض الحكم الدكتاتوري الفردي.

لقد أدى الفراغ السياسي بغياب حزب واحد كان مهيمنا على الحياة السياسية العراقيـة حتى أطلق عليـه بالحـزب المليـوني، والفوضى السياسيـة والإعـلامية التـي أحدثها الاحتـلال فـي العـراق بعـد 2003 تطبيقا لفكرتـه المسّوقـة بعــد 11 سبتمبر 2001 بالفوضى الخلاقـة، والذي أحدث هبّة وانعتاقا داخـل الأوساط الشعبيـة البسيطة للانجذاب إلى الموروث المذهبي الذي استثمر بقوة من قبل المرجعيات الشيعية في العراق، والأحزاب المذهبية التي استخدمت عناوين تلك المرجعيات المؤثرة عند قطاع شعبي واسع بمثابة بطاقة مرور لتلك الأحزاب والجماعات عبر انتخابات قاطعها العرب السنّة تطبيقا لفكرة سطحية سهلت المهمة على الأحزاب الدينية وقدمت الحكم هدية لها، إلى جانب الحضور الإيراني المكثف الحالم بقيام حكم يثأر من حكم صدام، وينهي هياكل الدولة ومؤسساتها.

ولم تختلف قواعد ذات اللعبة الطـائفية في الدورة الانتخابية الثانية بدعم مـن قيـادة الاحتـلال رغم حصـول متغيرات مهمـة في الحضور الملفت للكتلة العابرة للطائفية (القائمة العراقيـة) والتي لو أحسنـت قيادتهـا إدارة المناورة والتكتيك السيـاسي حين فازت بفارق صوت واحد على دولة القانون، لتعدلت اتجاهات العمليـة السياسية نحو الاستقرار وبناء الوطن.

وفي الوقت ذاته تعززت مكانة الطائفية السياسية الشيعية وبولاء لزعامات من حزب “الدعوة” الذي يجد نفسه الأقدر على القيادة التاريخية مما يصفه ضمنا بأنها زعامات ذات مقامات للاحترام والوجاهة بين أبناء الطائفة أكثر مما هي ذات فعاليات تنظيمية سياسية.

أما على الضفة العربية السنية، فقد تمت مصادرتها من قبل أسماء وعناوين هي أقرب إلى المنافع الشخصية منها إلى العمل السياسي الوطني، والتي أصبحت مشتركا لجميع القوى النافذة منذ عام 2010 وإلى حد اليوم.

ورغم مرارة تجربة الحكم وما يعيشه البلد من فوضى وقتل من قبل التنظيمات الإرهابية، والميليشيات الطائفية ومن ابتعاد عن حقوق المواطنين، وسيادة الفساد والرشوة في جميع المفاصل الحكومية، فإن استحكامات الهيمنة السياسية المقرونة بالقوة لم تفرز قوى سياسية جديدة قادرة على إحداث تحولات من الطائفية إلى المواطنة المدنية.

وقد يكون مـن بين الأسباب المهمة التي تعرقل قيام أحـزاب أو حركات سياسية وطنية عراقية تلتزم بالمعايير الانتخـابيـة السليمة، هـو عـدم تشـريع قانون للأحـزاب العراقيـة يحـدد بالدرجــة الأولى الإعـلان عـن مصــادر تمويلاتهـا الداخليـة والخارجيـة.

إن احتدام المعـارك السياسيـة والإعلاميـة في حمـلات الدعايـة الراهنة يدل على معـاودة حضور بعض عناوين المرجعيات الشيعية في اللافتات رغم تأكيـدات ممثليها بعدم ترجيح قائمة على أخرى، ولكن تأكد لكثير من المتابعين من خلال الصور الموثقة في الشـوارع العـراقية رفع لافتات باسم مرجـع إيراني كبير مقيـم في قم يدعو “الناخبـين العراقيين إلى تحريـم انتخاب العلمانيـين والذهاب إلى انتخاب الإسلاميين” وغيرهـا مـن الأمثلـة الكثيـرة.

ويلاحظ أن الدعاية الانتخابية لا تتم على أساس المشاريع السياسية، وإنما على أساس الولاءات الطائفية المقرونة بالعشائرية الضيقة. فعناوين غالبية القوائم تدل على سذاجة سياسية لا تحترم عقل المواطن العراقي، وتضعه في خانة البلدان المتخلفـة، رغم وجود أسماء وطنية اشتغلت على المستـوى الفـردي خصـوصا البرلمانيـات اللائي نشطن في ميادين المـرأة والطفـولة والحقـوق المدنيــة ويسعـين مجددا إلى تحقيـق مكاسب نافعة في هـذا القطاع الحيوي المهم في حياة المجتمع، ويتوقع لهن النجاح رغم شح الإمكانيات في توفير وسائل الدعاية والإعلان مقابل الكواسج والحيتان التي وزعت الملايين على بعض القنوات الفضائية النافذة في العـراق.

إلى جانب التحشيد الكامل لبعض القنوات العراقية في ساحة الاحتراب والتسقيط الانتخابي تلبية لأجندات فئوية واضحة ومكشوفة إلى درجة خروج بعض القنوات عن مهماتها ووظائفها المهنية في الكشف والمتابعة والتحليل الموضوعي ونقل الحقائق، إلى ميدان القتال والمبارزة الحزبية والسياسية نيابة عن هذا الحزب أو ذاك.

لاشك أن الأحزاب الحاكمة أو المدعومة من قبل الحكومة لها ثقلها في وسائل الدعاية الانتخابية، مع أن زعيم القائمة الرئيسية الحاكمة رئيس الوزراء لا يحتاج إلى دعاية مباشرة، بل الوجوه الأخرى من قائمته تستند إليه في حملتها.

وهـذا القانون الانتخـابي الجديد قد وفرّ فرصا للقوائم الصغيـرة لكي تتوزع عليهـا الأصـوات في ظل الإحبـاط من القوائم الكبيرة، ولكـن النتيجـة ستكـون لعبة “إعـادة الانتشـار” لصالـح القوائم المهيمنـة الكبـيرة.

ولكي يكون الحديث موضوعيا وغير عاطفي رغم مرارته، فإن نهايات اللعبة الانتخابية لن تكون بأياد محلية صرفة، فما زال النفوذ الإقليمي والدولي مشتغلا بالعراق (إيران وأميركا) في المرتبة الأولى وهما اللتان ستقرران الحاكم المقبل في العراق.

المالكي أم غيره من الكتلة الشيعية التي رسخ الأميركان تقليد حكمهم للعراق، ووفق تعديل شكلي يتحدث عن “الأغلبية السياسية” وليست “الطائفية”، بعد أن وجدت تلك الأحزاب نفسها هي القائدة والسائدة.

ففي غياب إياد علاوي من القيادة المتوقعة لا يتوقع حضور زعيم شيعي قوي منافس للمالكي قادر على انتزاع السلطة منه.

فوز المالكي سيمّر عبر ولاء الساحة الشيعية، مع إضافات مرتّبة وجاهزة من الكتلـة السنيـة.

إن طهران وواشنطن لا تسحبان دعمهمـا للمالكي في الولاية الثالثة، إلا إذا ظهر في الساحة منافس قادر على إزاحته وهذا لم يحصل، فجميع الأسماء المتداولة لم يستطع بعضها الحصـول على مقعد أو مقعدين في الانتخابات السابقـة، فهل تستطيع خطف السلطـة من المالكـي؟ كما أن الأحـاديث المستهلكـة عن تكتلات مقبلـة لإسقـاط المـالكي بـين الأكـراد وبعـض الكتل السنية واحتمـالات كتل شيعيـة هـي سيناريوهــات مفتـرضة قـد يضعها فـي مهب الريح قـرار طهـران الملـزم لجميع الكتـل الشيعية، والأميركان سيصادقون على ذات السيناريـو، وهم كذلك لا يتوقعون منافسة جدّية للمالكي.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر