الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

أوهام الانتصار والفشل الانتخابي في العراق

طهران وواشنطن تنتظران الجولة الأولى من معركة البيت الشيعي، أما البيت العربي السني، فمعركته من نوع آخر، ولا يخطئ أحد بأن العاصمتين النافذتين تريدان تحقيق مصالح العراقيين.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/04/14، العدد: 9528، ص(8)]

سباق الانتخابات الحالي في العراق وما تفرزه حملات المرشحين الدعائية من ظواهر لا تنتمي إلى عالم متحضر، حيث تغيب عناصر المنافسة على المشروع السياسي والاجتماعي والخدمي للشعب العراقي، لأن نقطة الشروع في الدورات الانتخابية منذ عام 2005 لم تستند على الإنجاز المجتمعي، وإنما على ثوب فصّله الاحتلال العسكري الأميركي وفق مقاسات طائفية وعرقية منح كل طائفة وعرق حصته في أسوأ مشروع تقسيمي تعرض له العراق، وتمرير عنوان سياسي طائفي مريب أسماه بالشراكة السياسية التي قبلتها ورحبت بها جميع الكيانات والتشكيلات السياسية لكونها تخدم مصالحهم ومكاسبهم مرحلياً، ثم انتفضت عليها أبرز تلك الكتل أخيراً وهي كتلة رئيس الوزراء المالكي، بعد أن وجدت نفسها قادرة على قيادة إدارة البلاد بمعاونة كتل داخل الطائفة الشيعية وكذلك من سياسيين يقدمون مصالحهم على مصالح طائفتهم “العربية السنية” وهم كثر.

فالخاسرون والرابحون في الانتخابات السابقة كان لهم نصيبهم في سلطة الحكم، وأصبحوا على سطح واحد اسمه “العملية السياسية” حتى وإن ادعى أصحاب الحصص الصغيرة بأنهم معارضون أو مظلومون أو مهمشون. فالانتصار والخسارة وهمان تعاطى بهما الجميع، وكانت قيادة الاحتلال تدعم هذا الوهم الديمقراطي، لأن المصلحة الأميركية كانت تقتضي بعد التصفية السياسية واللإنسانية لتنظيمات حزب البعث وجيش الدولة العراقية ومؤسساتها العريقة، أن تسير سفينة العملية السياسية في العراق وفق هذا السياق على أمل تسويقه في المنطقة، فما بين عامي 2003 و2011 تاريخ رحيلهم العسكري، لم يتحدث الأميركان عن فشل السياسيين في العراق، لأنهم رحبوا بقدومهم وخدموهم كمحتلين، ومنعوا حتى تداول عبارة “الاحتلال” في أوساطهم السياسية والإعلامية، كما عاونوهم في قمع المقاومة العراقية الوطنية المسلحة، وعمموا مواقف الخلط المتعمد ما بينها وبين النشاط التخريبي لتنظيمات القاعدة المجرمة.

وارتاح المحتلون لهذا الصمت والانصياع لإرادتهم رغم أنهم لا يكنون الاحترام لهم في دواخلهم، ولعل الوصايا العشر للحاكم المدني في العراق بريمر لخليفته السفير نغروبنتي مفيدة في هذا الباب وجاء في خاتمتها “إياك أن تفرط في أي منهم لأنهم الأقرب إلى مشروعنا فكراً وسلوكاً وضمانة مؤكدة لإنجاز مهماتنا في المرحلة الراهنة، وإن حاجتنا لخدماتهم طبقاً لاستراتيجية الولايات المتحدة ما زالت قائمة وقد تمتد إلى سنوات أخرى قبل أن يحين تاريخ انتهاء صلاحياتهم الافتراضية بوصفهم مادة استعمالية مؤقتة لم يحن وقت رميها أو إهمالها”.

كانت هناك مشتركات كثيرة بين أولئك السياسيين والمحتل في تخريب الدولة العراقية ومؤسساتها وإفراغها من الكفاءات العراقية بمختلف الاختصاصات العلمية والإبداعية وإجبار العلماء للرحيل عن وطنهم إلى منافي الاغتراب، وإحلال الأميين والجهلة محلهم ليعود العراق كما هددّ وزير الخارجية الأميركي جيمي بيكر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز عشية حرب الخليج الثانية 1991 بإعادة العراق إلى العهد ما قبل الصناعي.

خلال وجود الأميركان في العراق لم تتحدث دوائرهم المالية والرقابية عن الفساد والنهب المالي مثلما أخذوا يتحدثون عنه اليوم، والذي اشترك فيه مع العراقيين موظفون أميركيون. مثل الحديث المتداول أميركياً وفي دوائر الرقابة المالية لديهم عن هروب «6 مليار دولار خارج العراق، أو التساؤل عن مصير ما مجموعه 750 مليار دولار دخلت الخزينة العراقية بين 2004 و2013. صحيح أن الاحتلال كان يتحمل مسؤولية الفوضى التي حلت بالبلد وفي مسيرة العملية السياسية التي لم يفارقها جغرافياً إلا قبل سنتين ونصف، إلا أن جميع السياسيين لم ينسحبوا عن المشهد السياسي لأسباب الفشل الذي يغطي الجميع، ومن يدعي غير ذلك فهو واهم. وحرب المنافسة الانتخابية الحالية بين الكتل السياسية خصوصاً ما بين القائمة الحاكمة ورئيسها المالكي وبقية الكتل تخفي الكثير من الحقائق وتعرض ما يلبي ماكنتها الدعائية. مع أن معايير اللعبة الانتخابية كانت تقتضي تشكيل قوة معارضة غير حاكمة في البرلمان تواجه الأغلبية الفائزة، لكن الأطماع والمنافع الشخصية في المواقع الحكومية تغلبت على المصالح الخادمة للشعب، بل أدت تلك الدوافع إلى حصول تفكك في أقوى كتلة منافسة للكتلة الحاكمة وهي كتلة إياد علاوي. وهذه إحدى عناصر الاختلال وفشل العملية السياسية في العراق.

مظاهر حرب التسقيط الحالية تبدو أكثر ضراوة داخل البيت الشيعي في الاصطفاف ضد كتلة المالكي وضده شخصياً، وإذا كان للمرجعية الشيعية في النجف دور معروف في الانتخابات الأولى وأقل منه في الانتخابات الثانية، فإن هذا الدور رغم التلميحات هنا وهناك لم يختف، وتحاول الكتل الشيعية استثمار الإرشادات العامة التي تطلق خلال خطب الجمعة لصالح تصعيد الحملة ضد المالكي لصالح كل من (التيار الصدري والمجلس الأعلى، وهناك قنوات فضائية تعبئ يومياً بهذا الاتجاه في حرب مشتعلة تستخدم جميع الأساليب الإعلامية حتى وإن ابتعدت عن المهنية وضوابطها العامة.

وتجد هذه الحملة صداها لدى المرشحين من داخل الطائفة العربية السنية الذين يشتغلون على ملف حرب الأنبار لجعله الملف الضاغط للتسقيط، مع إن هذه القوائم لا تتمكن من التأثير في مستقبل المالكي وقائمته. ومع الوضوح التام لاصطفافات الصراع التي تبدو لإسقاط المالكي دون بديل من داخل صفوف البيت الشيعي ضمن المعادلة التي كرست بأن يكون رئيس الوزراء من الطائفة الشيعية، فإن تأثير العامل الخارجي يبقى هو الحاسم للنتائج النهائية، وبصورة خاصة واشنطن وطهران.

يتساءل البعض عن الرؤية الأميركية للحاكم المقبل في العراق، وهل صحيح إنها تنتظر ما تقرره صناديق الإقتراع التي كانت في دورتين سابقتين برعاية من قبلهم؟

كل المؤشرات تقول بأن المستجدات الحاصلة في صراع المصالح في المنطقة وخصوصاً الملف السوري وتداعياته، تجعل من العراق ذي أهمية في ملف الحوار الأميركي الإيراني.

واشنطن مرتاحة للمالكي لكونه لا يقف ضد مصالحها، لكن ذلك مرتبط بالقرار الإيراني تجاه من يحكم بغداد، وحسابات طهران أيضاً تتعلق بإمكانية وجود بديل لديه القدرة لما حققه المالكي على إدارة الوضع السياسي، والأزمات الأخيرة في البلاد مثار قلق لطهران، ولا نعتقد أن الأطراف السياسية الشيعية الأخرى قادرة على إقناع طهران باستبدال المالكي بشخصية أخرى معتدلة ومقبولة من الجميع. كل المؤشرات تقول بأن كلاً من طهران وواشنطن تنتظران الجولة الأولى من المعركة داخل البيت الشيعي أولاً، ومن يتمكن من كسب الأصوات الأكثر، أما البيت العربي السني، فمعركته من نوع آخر، ولا يخطأ أحد بأن كلا العاصمتين النافذتين في العراق تريدان تحقيق مصالح العراقيين.

لا منتصرا ولا خاسرا في ساحة الصراع على كرسي حكم العراق، لأن الجميع فاشل من وجهة نظر الشعب، ولكن هل سيذهب المواطن ويقول كلمته النهائية ويسجل علامة كلكم فاشلون بقوة؟

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر