الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

دراما التاريخ من عمرو بن العاص إلى آل عثمان

في التاريخ الإسلامي وقائع مسكوت عنها، منها قتل مالك بن نويرة بأمر، أو خطأ في تأويل الأمر، من خالد بن الوليد الذي تزوج امرأة مالك.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/04/15، العدد: 9529، ص(8)]

أخيرا، وبعد 27 عاما عثرت على نسخة من كتاب “السلام الضائع في كامب ديفيد” لمحمد إبراهيم كامل. نسخة لم يقرأها قبلي أحد، فشكرا لسور الأزبكية وللثورة التي جعلت معرض مكتبة الإسكندرية ينظم ندوة “ثورة الأدب وأدب الثورة” في دورته الأخيرة، ويخصص مساحة لسور الأزبكية. قبل أن أتجه للمشاركة في الندوة، حملتني مصادفة إلى الكتاب الذي قرأته فور صدوره، حين كنت طالبا في الجامعة، ثم اختفى.

مؤلف الكتاب إبراهيم كامل كان وزيرا للخارجية واستقال في كامب ديفيد، اعتراضا على تنازلات مجانية من السادات، وأثناء توقيع معاهدة السلام كان كرسيه خاليا يشغل فراغ سياسة السادات. ويسجل في الكتاب مواقف تدخل في دراما التاريخ، وهي مساحات إنسانية تشعُّ دفئا وضعفا بشريا يغيب عن أعمال أدبية ينوي مؤلفوها أن يستلهموا التاريخ، فتهزمهم دراما التاريخ، وتميل كتاباتهم إلى التسجيل وتهمل الدراما، استعلاء بالبطل التاريخي على الضعف الإنساني (أم كلثوم)، أو إبرازه كائنا إلهيا لا يأتيه الباطل، (صلاح الدين الأيوبي).

هذه المناطق في سير الأعلام تغريني كثيرا، وكان الصديق هشام السلاموني قد سألني، بعد أن قرأ روايتي “أول النهار” التي تدور في القرن الثامن عشر: هل تخطط لكتابة رواية عن شيخ العرب همّام؟ قلت: لا، وقال إنه يجمع المادة التاريخية لمسلسل تلفزيوني. ثم مرض وتوفي رحمه الله، قبل أن يشاهد المسلسل الجميل الذي كتبه عبد الرحيم كمال.

في التاريخ الإسلامي وقائع مسكوت عنها، منها قتل مالك بن نويرة بأمر، أو خطأ في تأويل الأمر، من خالد بن الوليد الذي تزوج امرأة مالك. كان الصحابة عاشقين للحياة والنساء، هذا العشق وحده كاف لخروجهم من فقر البداوة بالجزيرة، إلى رحابة الحياة في بلاد الرافدين والشام ومصر.

يذكر شيخ الإسلام قاضي القضاة منهاج الدين السراح الجوزجاني في كتابه “طبقات ناصري” أن الحسن بن علي “كان أكثر شبها بجده المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل شيء. كان يتزوج كثيرا، ويروى أن مئتي امرأة حرة تزاحمت للزواج منه”.

ربما كانت زينة النساء أكثر إغراء للحسن عليه السلام من كرسي الحكم الذي يغري العجزة، فتصبح شهوة السلطة نوعا من التعويض عما ينقصهم من القدرة على التمتع بالنساء، من هنا ينشأ الاستبداد.

وفي الفتنة الكبرى، أتوقف أمام طلب عمرو بن العاص إلى الإمام علي أن يبارزه. يروي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في “الأخبار الطوال” أنهما “تطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى علي سيفه فحمل عليه، فلما أراد أن يجلله رمى بنفسه عن فرسه، ورفع إحدى رجليه، فبدت عورته، فصرف علي وجهه، وتركه، وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له: احمد الله وسوداء إستك يا عمرو”، إذ كاد يقتل لولا احتماؤه بمؤخرته. حيلة داهية يعرف ما يتمتع به الإمام علي من حياء.

يسجل منهاج الدين السراح الجوزجاني في “طبقات ناصري”، الذي ترجمته عفاف محمد زيدان، أن صلاح الدين بعد أن صار ملكا على مصر طلب أن ينادى “الملك الناصر”، ثم توفي السلطان نور الدين في الشام، فذهب صلاح الدين إلى دمشق “وأعطى ابنه العزيز مملكة مصر”، ثم اشتبك جيش الروم مع جيش صلاح الدين على أبواب دمشق. هزم صلاح الدين وفر إلى الداخل، “وعسكر الكفار على أبواب دمشق”، وجمع صلاح الدين أهل دمشق ليبايعوه، وأرسل إلى أحد العلماء ليقول في حضرته ما يحث الناس على القتال، فقال الرجل لسلطان: “إن رائحة بول الشيطان تنبعث من فمك وشاربك، فكيف يستحكم عهدك مع الله ومتى يستقيم؟”، فنهض صلاح الدين وقبل يد الرجل وعلى يديه “تاب عن الخمر، وجملة المعاصي وبايعه الخلق على الجهاد برغبة صادقة.. وحلت الهزيمة بأعداء الدين وذهبوا إلى النار وبئس المصير”.

“صلاح الدين، في هذه الرواية بشر مثلنا، يأكل الطعام ويشرب الخمر، عكس التصور الذي رسمته المخيلة الشعبية وعززتها السينما، حتى إنه يبدو في فيلم “الناصر صلاح الدين” قديسا يستجيب لهتاف يناديه: “يا سلطان العرب”، في وقت كان الإسلام يمثل كلمة السر والسحر وينادونه: “يا منقذ العروبة”، وهو الكردي الحالم بحكم المسلمين.

“قيام الدولة العثمانية نفسها دراما تاريخية. مصادفة جعلت من “الغازي عثمان” أبا لأمة صارت دولة فإمبراطورية تحمل اسمه. كانوا قد فروا من بلادهم بقيادة سليمان شاه، هربا من بطش جنكيز خان. ولما وصلوا إلى الفرات، غرق سليمان فتشاءموا بموته. عاد من أراد ورحل الباقون غربا، يقودهم أرطغرل بن سليمان إلى بلاد الروم. هناك وجدوا فريقين يتقاتلان، كاد أضعفهما يهلك، فرأوا أن يكونوا في صفه وهم لا يعرفونه، فانتصر السلجوقيون على الفريق الأقوى. منحهم القائد المنتصر “علاء الدين” أرضا ولد فيها لأرطغرل ابنه عثمان عام 1258. كبر عثمان وأغار على أعداء “علاء الدين” الذي أعلنه أميرا، وأسدى إليه لقب “الغازي” عام 1299.

“في العام الذي ولد فيه عثمان 1258، سقطت بغداد، في دراما أخرى لم تحظ من الأدباء والشعراء بما تستحق؛ فبعد استيلاء هولاكو على العاصمة، ذهب إلى قصر الخلافة، “المنطقة الخضراء”. سيق إليه الخليفة العباسي المستعصم، وأرشده إلى خزائن الأموال، وحوض مملوء بالذهب وسط القصر، لكن هولاكو لم يقنع بذلك، وأمر بحرمان المستعصم من الطعام حتى شعر بالجوع، فقدم إليه هولاكو طبقا مملوءا بالذهب. قال الخليفة: “كيف يمكن أن آكل الذهب؟”، فرد عليه هولاكو: “ما دمت تعرف أن الذهب لا يؤكل، فلم احتفظت به، ولم توزعه على جنودك، حتى يصونوا ملكك الموروث من هجمات هذا الجيش المغير؟ ولماذا لم تحول تلك الأبواب الحديدية إلى سهام، وتسرع إلى شاطئ نهر جيحون لتحول دون عبوري؟”، فقال الخليفة: “هكذا كان تقدير الله”، فرد عليه هولاكو: “وما سوف يجري عليك إنما هو كذلك تقدير الله”، وقتل الخليفة.

عثوري على كتاب “السلام الضائع في كامب ديفيد” أثار في مواقف درامية من التاريخ، ولم يكن السادات مشغولا تماما بتمثيلية كامب ديفيد، إذ كان يجد خلو البال الذي يجعله يداعب حفيده “شريف” عبر المحيطات والقارات في اتصال هاتفي: “أنت كُخة يا شريف”، شريف المذكور هو شريف حسن مرعي، حفيد السادات من ابنته “نهى”. مداعبات هاتفية للحفيد من جد في “معتقل”، وهو وصف اتفق عليه كثير من أفراد البعثة المصرية وأولهم السادات الذي كان ضائق الصدر بوزير الخارجية محمد إبراهيم كامل، فبعد أن قال له: “إننا نتعامل مع أحط وأخس عدو، لقد عذب اليهود نبيهم موسى.. أشفق على الرئيس كارتر المسكين من التعامل مع بيغن ذي العقلية المحنطة”، انفعل وهاج، وصاح بصوت عال، في حضور حسن التهامي وحسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال، قائلا: “وماذا أفعل إذا كان وزير خارجيتي يظن أنني أهبل”. أصابهم كلام السادات بالذهول، ثم أعاد الجملة مرتين، وخرجوا ومعهم وزير الخارجية، ولكن السادات ناداه وقال له: “ماذا جرى لك يا محمد.. إذا لم تتحملني فمن الذي يفعل”.

دراما أكثر عمقا من فيلم “أيام السادات”، وقد خلا من “شريف” الذي حظي بدعابات جده في وحل كامب ديفيد، كما كان “شريف” شاهدا على اغتيال السادات.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر