الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

العرب من منظور علم المستقبليات

الدراسات المستقبلية في عالمنا العربي تحتاج إلى مزيد من العمل عليها ونشرها ضمن الحقائب التعليمية والمناهج الدراسية لمؤسساتنا التعليمية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/04/15، العدد: 9529، ص(9)]

لا يخفى أنّ الدراسات المستقبلية ليست جديدة، ولكنها تشهد اليوم ازدهارا يستقطب اهتمام المفكرين والمنظرين الاستراتيجيين. ومن المؤكد أنّ الاهتمام بالمستقبل لا يعني نفي الماضي، فالذي يحسن فهم حاضره يهيئ لمستقبله بقدر ما يحسن توظيف ماضيه. وتلك هي المعادلة التي تتيح لنا صوغ العلاقة بين الأزمنة بصورة متوازنة، بقدر ما تتيح لنا التحرر من الأيديولوجيات التي تجعلنا أسرى ماض يستحيل أن يعود كما كان عليه، أو التخلص من الطوباويات التي تغرقنا في أوهام مستقبل لا ينفك يبتعد.

وفي الواقع فإن فكرة علم المستقبليات ينبغي أن تنطلق من حيث النظرية والتطبيق معا من العائلة باعتبارها النواة الأولى للمجتمع السياسي والمدني، وبعبارة أخرى فإن القضية هي قضية إعادة تربية العائلة وإعادة ترشيد اﻟﻤﺠتمع ككل بما في ذلك الشرائح المسؤولة عن السياسة، ففي بلداننا لا توجد دراسات علمية تخطط للبيئة وللإسكان وللأمن الغذائي وللاقتصاد، فالسائد هو التعامل مع الطوارئ والتكيف مع المشكلات بدل البحث عن أسباب المستقبليات.

للدراسات المستقبلية عدة مبادئ أهمها مبدأ الاستمرارية وهو توقع المستقبل امتدادا للحاضر خاصة في ما يتعلق بالحقائق العلمية. ومبدأ التماثل وهو توقع تكرار بعض أنماط الحوادث من وقت إلى آخر. مبدأ التراكم وهو تراكم نفس الأحكام على نفس الوقائع. كما أن للدراسات المستقبلية أساليب تقليدية منها التنبؤ عن طريق التخمين ويعتمد أساسا على الحدسية الفردية في تقدير بعض جوانب المستقبل، وأسلوب استقراء الاتجاهات الذي يرى أن الاتجاهات التي ثبتت في التاريخ القريب سوف تستمر في المستقبل، وأسلوب الإسقاطات وتعتمد على قراءة الاتجاهات الماضية، وأسلوب المحاكاة أو المماثلة، وأسلوب التعرف على المستجدات، وأسلوب تحديد مجالات الانتشار.

ودون شك، فإن العرب في حاجة إلى مستقبليات وسيناريوهات وتنظيم لمواجهة العصر الرقمي للأعوام القادمة، وفي حاجة إلى دراسات مستقبلية معمقة لمعرفة خريطة المستقبل، حيث يرى عدد من الباحثين إن الدراسات المستقبلية في عالمنا العربي تحتاج إلى مزيد من العمل عليها والتعريف بها ونشرها ضمن الحقائب التعليمية والمناهج الدراسية لمؤسساتنا التعليمية، وأيضا تفعيل دور البحث للخروج بالدراسات المستقبلية من دائرة الفهم إلى التطبيق والممارسة ومعالجة قضايا علمية عملية. المشكلة لا تكمن في وجود عناصر ومعطيات التأسيس المستقبلي بالنسبة للعرب، بل عدم تشكيل وبلورة صيغة معرفية نظرية على مستوى المنهج وعملية على مستوى التصور والإعداد لدراسة المستقبل، وإذا أردنا المستقبل من ناحية التخطيط والاستشراف بهدف المشاركة في صنعه مع الآخرين فيجب أن نواجه تحديات ترسيم وبناء طموحات واقعنا الداخلي وإيجاد أجوبة مناسبة لأسئلة التنمية السياسية والاجتماعية والفكرية وإشكاليات الحرية والحوار والاعتراف بالآخر، وتعميم ثقافة الوعي والانفتاح والتعاون، لذا ضروري أن يكون لنا دور تكاملي مع باقي الأمم والحضارات والثقافات في ترسيم ووضع وبناء مستقبل العالم، مع عدم حجب نظرنا عن رؤية المشاكل والأزمات الكثيرة التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

هذا يتطلب من العرب تأسيس قاعدة معلومات تستند على المعرفة العلمية المتقدمة والاستخدام الأمثل للمعلومات المتدفقة، لأن إنتاج المعلومات هي القوة الرئيسية للعصر، والأداة الأهم للإنسان في التواصل والتخزين والمعالجة وتحقيق المردود الاقتصادي والفكري، بمعنى أنّ المستقبل سيكون لصالح من ينتج المعلومة ويطورها.

المعوقات التي تواجه المنطقة العربية كثيرة ومتعددة، الأمر الذي يجعلها من أقل دول العالم استفادة من الثورة الرقمية، ويتعلق بعض هذه الصعوبات بقلة الإمكانيات قياسا بمتطلبات التطور التكنولوجي الذي يحتاج كلفة كبيرة، إضافة إلى انتشار الأمية الأبجدية في المنطقة العربية التي تصل 44 بالمئة من مجمل السكان، وارتفاع نسب الفقر التي تصل في بعض الأقطار العربية حد 60 بالمئة.

المشكلة الأعقد هي أن الإنترنت لا تتلاءم اليوم في الوطن العربي مع مقومات “القرية الإلكترونية”، لأن الثقافة العربية بكل صنوفها (الشعبية والعملية والعالمة الخ) تجد نفسها في موقع التعامل الاضطراري مع هذا المعطى الجديد بمواصفات لا تخلو من سمات محلية، وغالبا ما يتم اختزال الاستعمال الشعبي للإنترنت في وجهه التواصلي الصرف، بغاية قضاء مآرب شخصية، تتأرجح بين قضاء الوقت، والبحث عن المتعة أو عن بديل لواقع لا يرضي صاحبه.

وما يعانيه الفكر العربي يرجع إلى ظواهر سوسيولوجية وليست فكرية في الأساس: فظاهرة «ثقافة القطيع» في العالم العربي، تعود غالبا إلى المفكرين العرب من موظفي الدولة، كذلك سقوط الثقافة العربية في هوة التفكير الغيبي أواللاعلمي، مع عدم تداول المعلومات، وهي من أسباب غياب العرب عن المنافسة العلمية والفكرية والاقتصادية.

إن “الماضي تاريخ والمستقبل مجهول واليوم نعمة”، ورغم أن الغد قد يحمل لنا الكثير من المفاجآت التي لن تخطر على البال، فإن اليوم أيضا يحمل في طياته الكثير من التغيير لو أحسنا التعامل معه.

باحث وأكاديمي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر