الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

ثورة المثقفين الشجعان.. لإسقاط وزير الإخوان

المثقفون الشباب في مصر يغيرون المعادلة أمام الوزارة حيث كان الشارع اختبارا لمن يفضلون الظل استئناسا بزحام لا يعرفون فيه أحدا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/08/24، العدد: 9299، ص(14)]

اعتصام حتى يتولى وزارة الثقافة من يتعهد بالحفاظ على قيم التنوع

في الواحدة من ظهر الخميس 30 مايو، خذلنا كثيرون، غابوا عن وقفة احتجاجية متفق عليها. كنا يتامى أمام مقر وزارة الثقافة، يكاد الموظفون يفترسوننا، ولم تتوقف اتهاماتهم لنا، ونحن على الرصيف المقابل. نحن الذين لم ندخل هذه الفيلا، ولا علاقة لنا بهذا المكان، ولا ندري أن به منافع للناس، ولا يعنينا ذلك.

أطل محمد العدل من أول شارع شجرة الدر ثم اختفى، فقلت لعز الدين نجيب في حضور أحمد شيحا: "إما وقفات حاشدة وإما الكف عن مناكفات لا تجدي". وكان محمد هاشم حائرا، وسألني: "وبعدين؟" قلت له:"اسأل أصحابك، خذلونا، ولم يأتوا لأن الوقفة من دون كاميرات"، وبدأ شباب فرقة الفنون الشعبية من السويس العزف والغناء والرقص، وملأوا الشارع صخبا جميلا، وأمسى الشارع لنا، إذ انصرف الموظفون الشتامون في الثانية ظهرا، موعد انتهاء العمل، وتجاوب الحضور الذي ازداد عددا وثقة مع هتافات كريم مغاوري.

في الأيام التالية تم تعميم دعوة لاجتماع 12 ظهرا من يوم الأربعاء 5 يونيو في المجلس الأعلى للثقافة، لبحث الترتيبات الخاصة بكذا وكذا، وللمرة الأولى يذكر جدول أعمال.

الموعد مبكّر على أمثالي ممن يصحون في وقت متأخر، ولا يصلحون لتدبير مؤامرات ولا قيادة انقلابات تحتاج إلى يقظة في الفجر، ولكن السيناريست سيد فؤاد كلمني في الواحدة من فجر 5 يونيو، حثني على ضرورة الحضور، لأهمية جدول الأعمال، ثم اتصل بي وأنا في الشارع، وقبل أن أسمعه قلت: "خلاص، أنا في الطريق، بيني وبين المجلس دقائق". فقال : "صباح الخير، تعال الوزارة". سألته بانفعال: "حصل؟".

تجاوزت البوابة فوجدت أمامي بهاء طاهر بشوشا. كان الموجودون في المكتب أقل من 25، تبينت عددهم في اليوم التالي حين راجعت التوقيعات على البيان الأول.

أعطاني محمد عبلة بيانا وطلب رأيي، ولم أعلق، فقال إن الكتابة ليست مهنته، وقلت إنني أحب سخرية اللباد اللاذعة في إيجاز أسلوبه، مثل رسومه وتصميماته، وقال: "طيب.. اكتب أنت البيان". أعطاني الورقة والقلم، وحاولت الإيجاز قدر المستطاع، متجاوزا الانفعال الشخصي، وضغط الوقت وهتافات وشتائم تهبط علينا من الأبواب والنوافذ، تصبها حناجر عفية، ومكبر صوت محمول فوق منصة أقيمت على عجل.

وكتبت: "يعلن المثقفون والأدباء والفنانون المعتصمون بمكتب وزير الثقافة رفضهم للوزير الذي فرضته الفاشية الدينية الحاكمة، والذي بدأ فعلا في خطة تجريف الثقافة الوطنية، ويؤكدون أنهم لن يقبلوا بوجود وزير لا يلبي طموح المثقفين وتطللعاتهم للرقي بالثقافة اللائقة بالثورة العظيمة التي بدأت موجتها الأولى يوم 25 يناير 2011، حتى تحقق أهدافها وفي مقدمتها بناء الدولة الوطنية.

ويعلن المعتصمون استمرارهم في الاعتصام حتى يتولى زمام أمر الثقافة من يتعهد ويؤمن بالحفاظ على قيم التنوع والمواطنة والثراء الذي كان سمة للثقافة المصرية على مر العصور. الساعة 11 صباحا من يوم الأربعاء 5 يونيو 2013".

تشاورنا بسرعة في الصيغة التي وجدت استحسانا، ولكن جلال الشرقاوي توقف أمام عبارة في النسخة الأولى للبيان "وقد أعلن البدء في تجريف الثقافة الوطنية"، قائلا: "أعلن ايه؟ هو بدأ فعلا، لازم تغيرها"، فاستبدلت بها الصيغة التي وردت في البيان. وقعت اسم بهاء طاهر، وتلاه حسب ترتيب الجلوس توقيع الحضور: أحمد شيحا، خالد يوسف، سيد حجاب، سعد القرش، سيد فؤاد، محمد عبلة، محمد العدل، أحمد نوار، محمد عبدالخالق، جلال الشرقاوي، محمد هاشم، محمود قابيل، حامد محمد سعيد، سهير المرشدي، منال محيي الدين، صنع الله إبراهيم، حنان مطاوع، سامح الصريطي، هالة خليل، مها عفت، عصام السيد، ناصر عبدالمنعم، أحمد ماهر، محمد فاضل (وقع أيضا اسم فردوس عبدالحميد قبل وصولها). طلبت إلى الصريطي أن يكتب اسمه، بدلا من الفورمة، وتناقشنا في بعض الأمور، وكان أسامة عفيفي، ويوسف القعيد قد وصلا، ثم حضر خالد صالح، وأحمد عبدالعزيز ورشا عبدالمنعم وفتحية العسال وسكينة فؤاد وخليل مرسي وهاني مهنى، وبدأ المؤتمر الخاص بإعلان بدء الاعتصام، وقرأت سهير المرشدي البيان في أقل من دقيقة.

وبسرعة ناقشنا أمرين، لكي نخرج إلى الذين حضروا ولم يتمكنوا من الدخول، وبدأت عشرات التوقيعات تجمع في ورقة أخرى خارج البوابة، الأمر الأول هو هل ينبغي أن نرشح ثلاثة أسماء ليتم اختيار أحدهم وزيرا؟ تباينت الاختيارات، وبعضها كان مضحكا، ورأينا إغلاق هذا الأمر لأن الوزير الذي سنختاره لا بد أن يقسم اليمين أمام رئيس لا نعترف بشرعيته، أما الثاني فهو هل وجود الذين أنهى الوزير علاء عبدالعزيز ندبهم يضعف الاعتصام؟ اتفقنا على أن وجودهم سيجعل الأمر كأنه شخصي، ويقلل من الثقل الرمزي للاعتصام؟.

ثم دخلت إيناس عبدالدايم، سلمت وتفهّمت الأمر بذكاء وخرجت، وكان أحمد مجاهدا في الشارع لوقت متأخر، ثم دخل، وواظب على الحضور، وحضر آخرون، بعضهم من وجوه النظام القديم، نظام مبارك شخصيا، وبعضهم كان معاديا للثورة طوال 18 يوما حتى خلع مبارك، ومنهم لميس الحديدي، ولم أكن حاضرا في ذلك اليوم، ولكني ناقشت كثيرين، وأبديت استنكاري، فقالوا: "وايه يعني؟".

بهاء طاهر أول الفاعلين في الاعتصام

كتبت في صفحتي على الـ"فيسبوك" أنني حزين، وفي فمي ماء، ولا أستطيع الكلام، وأن المعارك النبيلة لا بد أن تخاض بوسائل من النوع نفسه، فجاءتني النصائح، وكأنها تطبق مقولة "الثورة النصيحة": "بعدين، مش وقته خالص". (في ما بعد ستخترع أساطير، منها ما كتبه عن الاعتصام، في اليوم التالي، صحفي كان وثيق الصلة بفاروق حسني، وعمل زمنا في ظلال رجاله، إذ ذكر اسم شخص ولاه فاروق حسني منصبا، ولم يكن هذا الرجل موجودا.

وفي مساء اليوم التالي خلع مرسي ستقول لي سيدة بفخر إنها من الذين "اقتحموا الوزارة"، ولم أرها في اليوم الأول، وربما الثاني، وابتسمت، وهي ظنت أنني أستحسن الكلام، وكنت في مقام يجمع متناقضين.. البيرة والجاتوه).

خرجنا وهتفنا: "تحيا مصر"، والحشود في الشارع تزداد عددا، وهتافات الداخل والشارع تتجاوب، وتعلو على افتعالات الشتامين. لولا احتشاد الشباب أمام البوابة، وتشكيلهم درعا صوتية، ما نجح الاعتصام وهو يدخل لحظات اختباره الأولى.

وعبر البوابة سلمت البيان إلى محمد نديم، وتعب الرجل في البحث عن ماكينة تصوير، فالوزارة بها ماكينة لا تعمل بكفاءة، وليس بها شاحن للتليفون، وهذه وحدها كارثة تجعل من إسقاط الوزير أمرا مشروعا، ولم أكن أستطيع الرد على كثيرين منهم عز الدين نجيب الذي لم يتمكن من الدخول، والوزير المضطرب أصدر بالتليفون أمرا بإنهاء ندب ثلاثة مديرين، بحجة أنهم سهلوا على المثقفين "الاقتحام"، واتهمهم بالتواطؤ، فانضموا إلينا مع موظفي الوزارة، وكانوا سببا في أن يصبح الاعتصام دافئا ومرحبا به من أهل البيت، أن يكون الاعتصام اعتصاما بالفعل، نحن ضيوف وهم أصحاب المكان في مكاتبهم، وخلف البوابات حرس نأمن على أنفسنا في وجودهم.

شق البيان طريقه إلى الفضاء الافتراضي قبل وصول بقية النسخ إلينا، وفي اليوم التالي وجدته في صفحات التواصل الاجتماعي، قبل أن تضاف إليه توقيعات أخرى شغلت الصفحة بالكامل، وهو البيان الوحيد الذي ظل مكتوبا بخط اليد، فلم يكن لدينا وقت ولا رفاهية كتابته على الكمبيوتر، رغم كرم الموظفين وخصوصا الذين فصلهم الوزير، وأحدهم أعارني شاحن هاتفه.

وتم ترتيب شؤون الاعتصام، بتعيين مسؤولين عن النظام، ومجدي أحمد علي متحدثا رسميا، وتأخرت وردية الشتامين ولم تنته إلا في الثالثة، وتعهد نحو 30 شخصا بالمبيت في اليوم الأول، على ألا ينصرف أحد إلا بعد حضور شخص آخر بدلا منه في العاشرة من صباح الخميس، ووعدني حمدي عبدالرحيم حين اقترحت عليه الحضور، لأن أمس (الأربعاء) كان يوما طويلا، وأنا لن أنام، وخصوصا في مكان أدخله للمرة الأولى، وكراسي المكتب غير مريحة، لم تصمم من أجل اعتصام أو مبيت، واستمر النقاش في حضور كثيرين: أحمد طه النقر، منى برنس، صبحي موسى، إبراهيم الجهيني.

وفي الليل اكتشفنا نقص السكر، وذهبت مع محمد نديم لشرائه، وأتينا أيضا بأدوات الرسم، وأنجز في وقت قياسي لوحته "راقصة الباليه"، التي أصبحت أيقونة طوال فترة الاعتصام، وإن أبدى هاني حسن ملاحظات لا ينتبه إليها إلا راقص محترف في إنسياب الجسد وإيقاع الحركة، وهاني هو الراقص الأول في فرقة أوبرا القاهرة، بطل عرض زوربا الذي أقيم في الشارع للمرة الأولى في مصر وربما في العالم.

مضت الليلة الأولى بهدوء، منذ كم سنة لم أشهد الشروق، وكنا نطل على النيل والشجر والشمس تستأذن، وسألني أحمد طه النقر: "فيه أجمل من كده؟".

في اليوم الثاني، بدأت اجتماعات مستمرة، حرائق من كلام يعاد إنتاجه بألسنة آخرين، يحضرون للمرة الأولى، وفي الاجتماع الثاني يطرح ما نوقش في اليوم السابق.

وفي الأيام التالية تغيرت الوجوه في الداخل، وصار الخارج/الشارع أجمل في المساء. وسط الأهالي، وبعيدا عن صخب وأضواء كاميرات تصاحب استعراض من يريد أن يسجل اسمه وصورته في سجل الاعتصام، كان الشارع اختبارا لمن يفضلون الظل، ويستأنسون بزحام لا يعرفون فيه أحدا، ولا يعرفهم أحد، ولا يتباهون بأنهم "اقتحموا".

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر