الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

في تفكيك العنصرية الإخوانية

نحن نعاني عنصرية مركبة، أحد وجوهها عرقي ديني يدعو السلفي والإخواني للتعالي على المسيحي المصري، والوجه الآخر طائفي بتعالي السني على الشيعي، لأنه 'رافضي كافر'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/04/24، العدد: 9538، ص(8)]

لم يخجل صديقي، وهو كاتب سلفي أو إخواني أو كلاهما، من عنصريته. كنا في مدينة الأقصر، قبل عرض فيلم “عرق البلح”، لرضوان الكاشف، وقال إنه لا يعرفه، فاقترحت عليه أن يشاهد الفيلم، ولم يفعل.

كان ذلك في بداية عام 2012، بعد معارك كلامية طاحنة، استهلكت فيها أطنان الأحبار والأوراق وساعات من الهراء الفضائي التلفزيوني، ولم يهد الله أطرافها إلى سواء السبيل. فبعد ثورة شعارها الحرية، كانت القضية المصيرية التي يرى من منحوا أنفسهم حق الكلام باسم الله، هي عدم جواز تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد. سألت صديقي: كيف تفسر هذا الهراء الذي يدعو إليه «أصحابك»؟

إلا أنه فاجأني بأن «أصحابه» على الحق المبين؛ فكيف نهنّئ «الضالين» بعيدهم؟ هذا إقرار بسلامة عقيدتهم. سألته: لو أن زوجتك مسيحية، فكيف تتسق مع نفسك حين تكون معها ليلا في الفراش، ثم تستكثر أن تقول لها حين تصحو: «صباح الخير»، أو ترفض تهنئها بعيد الميلاد؟ فانشرح صدره بهذه الإشارة الفحولية، وقال: «في هذه الحالة فقط أقول لها: صباح الخير ونص».

المعضلة العنصرية هي ما يجب أن نكرس الجهد والوقت لتفكيكه، والانتهاء منه، وقد سبقتنا إلى ذلك أمم لم تتقدم إلا حين غادرت هذه المحطة. عنصرية الدين وعنصرية العرق. خرجت أوروبا من العصور الوسطى بإنهاء الكهانة وتجاوز عنصرية الدين، وتخلصت ألمانيا من روح العدوان بعد تفكيك عنصرية العرق وتجريم النازية.

ونحن نعاني عنصرية مركّبة، أحد وجوهها عرقي ديني يدعو السلفي والإخواني للتعالي على المسيحي المصري، وحرمانه حقوق المواطنة، لأنه “عظمة زرقاء”. والوجه الآخر طائفي بتعالي السني على الشيعي، لأنه “رافضي كافر”، ثم استعلاء السني الإخواني على السني غير الإخواني بالتقوى التي محلها القلب.

ما قاله صديقي، وهو كاتب سلفي أو إخواني أو كلاهما، هو ما وقر في القلب، وصدقه القول؛ ففي نهاية 2012، أثلج القيـادي السلفـي ياسـر برهـامي- نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر- قلوب مريديه بفتوى عنصرية.

ياسر برهامي طبيب له أكثر من 25 كتابا تعيد مضغ أفكار شبعت هضما، وكان عضو لجنة كتابة الدستور الإخواني الطائفي في 2012. ومن موقعه كداعية لدين يؤمن به مريدوه، استطاع برهامي أن يجد حلا لأزمة زواج المسلم من الكتابية، بأن يظل على كراهيته لها، فالمسلم “مأمور بـأن يبغضها على دينها مع بقائه في معاشرتهـا، هـذا أمـر معتـاد جـدا.

(هل) كل من يغتصب امرأة بيحبها؟! أم يعاشرها فقط؟ يعاشرها من أجل جسدها فقط ولا يحبها في الحقيقة.. (المسلم) مأمور هو كما ذكرنا بأن يبغضها.. يقول لها أنه يبغض دينها بلا شك.. يبغضها من أجل أنها كافرة.. لو دخل البيت لا يبدأها بالسلام، لو له أولاد مسلمين يقول: السلام عليكم، وهو يقصد المسلمين. لا يبدأها بالسلام”. لا تقتصر العنصرية على السلفيين، وإنما هي بذرة في أصل الشجرة الإخوانية، وإن أنكر الإخوان ذلك، في لحظات الاستضعاف، من باب التقية السياسية.أعود إلى ما أحتفظ به من أعداد مجلة «الدعوة»، فأجد في عدد أبريل 1979 صفحة خصصت لمأثورات حسن البنا عن أهل الكتاب الذين “ترخص الإسلام في أمرهم وأجاز الاكتفاء بأخذ الجزية منهم، فمتى تعهدوا بأدائها ورضوا بها فقد وجب أن يرفع عنهم السيف”، ولا مكان في خطاب الإخوان لقضية المواطنة أو حقوق الإنسان، أو الوطن.

وفي 3 أبريل 1997 نشر خالد داود في “الأهرام ويكلي” على لسان المرشد العام للإخوان آنذاك مصطفى مشهور أنـه “لا يجـوز دخول الأقباط إلى الجيش لأنه سيكـون مشكوكا في ولائهم وأنه بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية”. فقام المحامي نجيب نصيف برفع جنحة قذف في حق مشهور. ولإثناء نصيف جرت محاولات للصلح تبناها مختار نوح الذي قابل مصطفى مشهور في حضور ثروت الخرباوي وبعض قيادات الإخوان، للاتفاق على بعض التفاصيل مع مشهور الذي قال: “قولوا في الصلح ما تشاؤون، ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئا، فالنصارى يجب أن يدفعوا الجزية، ولا يجوز إدخالهم الجيش، فكيف يدخلون الجيش ويدافعون عن مشروعنا الإسـلامي وهـم لا يؤمنـون بالإسـلام، الجزية رحمة بهـم، وهذا تشريـع اللـه، هل نغير تشريع الله.. لا يجـوز أن نلقـي عليهم السلام”. (ثروت الخرباوي: سر المعبد)

تفكيك الفكرة، هذه العقيدة العنصرية، مهمة شاقة طويلة المدى وتستحق العناء، وبغيرها يظل العفريت العنصري ينتظر فرصة الخروج من الفانوس، لكي ينتقم.

التفكيك يمكن أن يبدأ بخطـاب العنصريـين أنفسهم، وتذكيرهم بالآيات القرآنية “لا نفـرق بين أحـد مـن رسلـه”، “كل نفس بما كسبت رهينـة”، لكي نصل إلى أنـه ليس من مهمة نظام الحكم أن يسوق الناس إلى الجنة، وإنما لتيسير حركة الحياة، وتحقيق العـدل والكرامـة للبشـر الذيـن كرمهـم الله وفضلهم على كثير ممن خلق، وبغير الخير والعـدل والكرامـة لـن توجـد دولة تقام فيها شعائر الدين، أي دين.

تفكيك العنصرية عمل نظري عقلاني يجب أن يسبق أي إجراء آخر، وأن يكون بعيدا عن أي طرح أمني، فالاعتقال والعنف والمطاردة تمنح الإخواني شعورا زائفا بالتفوق، ولا تنقصه هذه العقدة، سيتأكد له أنه صاحب رسالة، ومن أجلها يختبر الله قوة إيمانه بالاضطهاد، وهذا الوهم يشبعه نفسيا، فيرى نفسه على صراط الله المستقيم، وأنه سيصل ولو بقتل الذين عطلوه، أو تهاونوا في نصرته.

لتنظيم الإخوان، الذي نشأ برعاية وتمويل بريطاني صريح، جناح عسكري. ميليشيا ليس لها ضحايا من الاستعمار البريطاني، ولم يكن مطلوبا منها أن تمارس عنفا تجاه أولياء النعم، منشئي الجماعة لشق صف الجماعة الوطنية.

وقد صمت حسن البنا عن جرائم التنظيم السري، وتبعه سيد قطب الذي تفوق على البنا، حين قاد بنفسه “العمليات”.كان علي عشماوي مسؤولا عن شؤون تسليح وتدريب أعضاء التنظيم السري في الستينات، وسجل تجربته في كتابه “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين”، وفي هذا الكتاب حظي سيد قطب بإكبار وتبجيل.

ويذكـر عشمـاوي أن قطـب استهدف اغتيال جمال عبد الناصر، وإنهاء نظامه، ويروي أن “سفيرة سيد قطب” الحاجة زينب الغزالي أبلغته أن حميدة قطـب تريد أن تراه. ثم أخبرتـه حميدة قطـب أنهـا تحمل لـه رسالـة من أخيها سيد يقول فيها: “أنـا لا أريـد زوبعـة في فنجـان، إذا كنتـم قادريـن على تنفيذ عمل ضخم يهز أركان البلد فافعلوا، وإن لم تكونوا على مقـدرة بذلـك فالغـوا جميـع الأوامـر والخطط المتفـق عليها”.

ويسعى الإخوان، منذ أربعين عاما، إلى «تنفيذ عمل ضخم يهز أركان البلد»، ولن يقف في طريق الفكرة/ العقيدة شيء، إلا أن يتم تفكيكها، تمهيدا لأن يكون الوطن غايتهم. ثم يلي ذلك إعلان وطني من ثلاث كلمات: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر