الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

انتخاب الأزمات

اللعبة الانتخابية التي تجري في العراق، هي امتداد مشوه لانتخابات 2005 و2010، وهي لعبة مكونات سياسية ومصالح قبل أن تكون انتخابات للمواطن.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/04/29، العدد: 9543، ص(9)]

لا يمكن الحديث اليوم عن الانتخابات العراقية بمعزل عن هدف احتلال العراق عام 2003 وأجندات المحتل ومشاريعه السياسية بعد خروجه من العراق، والقوى الأجنبية الفاعلة والمؤثرة التي تمتلك مفتاح الشأن العراقي وقراراته، والقوى السياسية التي جاءت مع المحتل على دباباته.

ذلك لأن هذه الانتخابات التي رسم لها ما كانت إلا صورة لأجندات مخفية صورتها الشكلية الديمقراطية، وهدفها تأزيم الأزمات وافتعالها، وتثوير النعرات الطائفية والقومية والعرقية، وإثارة (الفوضى الخلاقة) بين شرائح المجتمع الواحد، وتأسيس إذاعات وفضائيات وصحف بالمئات لإشعال فتيل الحرائق الطائفية والقومية، وبناء ثقافة العداء والانتقام، وتثوير العقائد المتناقضة وزرع الأحقاد، وكلها تحت ظل دستور مفخخ بالألغام. دستور المكونات وليس المواطنة، دستور يضمن لمن صنعوه أن يعيش العراق مئات السنوات في أزمات وفوضى لا تنتهي، إلا بتقسيم العراق وشرذمته.

وإذا كانت الديمقراطية حاجة ماسة وكذلك الانتخابات، فإن الحاجة أقوى إلى إشاعة ثقافة ممارسة الديمقراطية، وتعويد الشعب على كيفيّة اختيار السياسي الأصلح، واحترام الرأي الآخر، لأن العراق يحتاج اليوم إلى ترميم النفوس قبل ترميم البيوت والجسور، وإعادة بنائه سياسيّاً بما ينسجم مع الحالة الوطنية للانتماء.

لأن البيـئة السياسيـة العراقيـة الحاليــة، هي بيئة صراعيّـة غير صحيّـة أوجدها دستور المحتل، واستثمرها لمصالحه السياسيــة وأجندته الخاصــة، وهي بيئــة المحاصصة الطائفيّــة، وصراعات الطوائف والقوميات والأعراق، وهي أيضا بيئة الفتن الطائفيّة، والتفجيرات وألغام الإعلام الطائفي.

وإذا كان دستور المحتل له أجنداته السياسية وأهدافه، فإن هذه الأحزاب عليها مسؤولية أكبر في إشاعة هذه الأفكار والممارسات الخاطئة، وهي تشترك بشكل مباشر أو غير مباشر مع سياسة المحتل وتنفيذ خططه.

ولا أعتقد أن هذه الأحزاب تجهل أجندات المحتل وخططه في تقسيم العراق، ولكنها تفتقد الرؤية السياسة المستقبليّة، ومشروعها هو امتلاك الحاضر بأي ثمن على حساب مستقبل العراق ووحدته، وتقديم مصالحها الذاتية وأجندتها على مصالح العراق الوطنية، بدليل استثمارها لنوازع الشعب الدينية والطائفية وعدم التركيز على برامجها السياسية.

ولابد من الاعتراف أن هذه الأحزاب لها مشاريعها السياسية، ولكن هذه المشاريع تتجه إلى (العموميـات) ولا تقدم حلولا علميـة وواقعية للمشكلات العراقية، إنما تحاول دغدغة عواطف الناس ومزاجهم وحاجاتهم بشكل بدائي يستند إلى ثقافة تقليدية، بمعنى أن هذه الأحزاب تتجه إلى النمط التقليدي في تشكيلاتها ومشاريعها، فلا يزال البرنامج السياسي يتأطر بثقافة البيئة التقليدية وحاجاتها، ومثقلا بالماضي وردود الفعل، وبآليات الربح والخسارة، وبروح اقتناص الفرص، والتلاعب بالعواطف والغرائز.

وإذا كانت هذه الأحزاب تكرّس مفهوم الفرد الواحد والقائد الواحد، وإشاعة ثقافة الولاء الطائفي أو القومي أو الديني بين أعضائها، فإنه لا يمكن للعراق أن يكون جديدا كما نريده، إلا إذا أشاعت هذه الأحزاب الديمقراطية داخل كياناتها، وعلّمت أعضاءها أبجديات الديمقراطية في الاختيار وتداول السلطة واحترام الرأي الآخر وحرية التعبير، بعدها يحق لهذه الأحزاب أن تمارس سلطتها في الدولة العراقية أو البرلمان العراقي.

كما لا يمكن الحديث عن التوافق الوطني في ظل أجواء الإقصاء وبناء خنادق الطائفية، وثقافة الثأر من الماضي، وأسلوب المهاترات السياسية والتخويف، وإشعال الحروب على المحافظات، وتهجير الناس وقتلهم بدم بارد من خلال الميليشيات والإرهاب ،إلا عندما نبدأ بترميم النفوس وإعادة النظر في ثقافتنا التقليدية في ما يخص ممارسة الحق السياسي والانتخابي، وبناء جسور الثقة بين الأحزاب والتكتلات والكيانات.

فنحن أمام مشهد صراعي سلبي لا يتجه إلى مناقشة البرامج السياسية بل إلى تخويف الآخر، واغتياله جسديا ووطنيّا، وتعميق الأزمات، وبناء صور نمطية للطوائف والقوميات بحيث يرتبط بعضها بنعوت خارج الحالة الوطنية لتؤذي المشاعر، وتوقظ البغض والكراهية بين أفراد الشعب.

فالمشهد السياسي العراقي الحاضر أفـرز صراعات شديدة أكثر منها توافقا وطنيا، بسبب طبيعة الأحزاب ومساراتها السياسيـة وخطاباتها.

فنحن نشهد أحزابا شيعية وسنية وكردية وتركمانية تتخندق مـع نفسها، أو مع بعضها ضد الآخر، ليس ضمن اللعبة الديمقراطية، وإنما لاقتناص الفرص وتحقيق مصالح ضيقة، والاستعجال بصنع القرارات السريعة، خوفا من المستقبل على حساب الوطن ووحدته وانتمائه العربي.

ولم يعد، مع الأسف، أفق الكثير من السياسيين العراقيين متحضّرا إلا بحدود المصالح واقتسام الغنائم وإرضاء المحتل، بمعنى أن السياسيين مطالبون بالبت في قضايا الخلاف، وهواجس الماضي والحاضر، وقتل شكوك التخويف من الآخر ونبذ الطائفية، لأن الأوطان لا تبنى على أساسا توحش طائفة على طائفة، أو عرق على عرق، وإنما تبنى على مفهوم التوافق الوطني على قضايا الشعب والوطن. لأن إنتاج “الديمقراطية” القائمة على الطائفية والقومية والدين لا يمكن أن تحقق الاستقرار والتوافق الوطني.

ومثلما تكون المواطنة جوهر وجود العراق ووحدته وقوته، فإن الحاجة تتطلب تجذير الديمقراطية في الأحزاب، وعصرنة أداء السياسي العراقي واستيعابه للعبة الديمقراطية، وإشاعة ثقافة صوت الرافض داخل البرلمان واحترام رؤيتـه واجتهاداته، والأهم أن يكون هناك تلـون سياسـي داخل كـل ائتلاف طائفي أو قومي يقضي على سيادة الحزب الواحد داخل الطائفة، بمعنى أن يكون المكون الشيعي عراقيا وليس شيعيا صـرفا، والمكـون السنـي عراقيـا وليس سنيا، والتحالف الكردي عراقيا وليس كرديا.

وهذه المهمة النبيلة لا يمكن أن تقوم بها إلاّ أجهـزة عراقية وطنية تجعل مصلحة العراق فوق الجميع، وتعيد كتابة الدستور من جديد برؤية وطنية لإشاعة ثقافة الوحدة الوطنية، وتعميق مفهوم المواطنة.

باختصار هناك لعبة انتخابية تجري في العراق اليوم، هي امتداد مشوه لانتخابات 2005 و2010، وهي لعبة مكونات سياسية ومصالح ونفوذ قبل أن تكون انتخابات للمواطن، تنفذ بنود دستور بريمر المليء بالأزمات والألغام، ونتائجها مقررة سلفا نتيجة المنظومة الانتخابية وآليتها وسيطرة المال والقوة والنفوذ الحكومي والحزبي والنتيجة هي: ولايـة ثالثة لنوري المالكي، رغم لعبة التسريبات الإعلامية الأميركية والغربية والإيرانية القائمة على تضليل الرأي العام والإيهام بعدم رغبة هذه الدول في تجديد الولاية الثالثة للمالكي.

أما النتيجة الأخرى فتتمثل في عودة المكونات القديمة بوجوه جديدة، وليعود مرة أخرى مسلسل الأزمات من جديد في انتظار الانتخابات المقبلة.

إعلامي وأكاديمي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر