الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

حول تطبيق الاتفاق الفتحاوي- الحمساوي

السنوات الذهبية لحماس ارتبطت بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وبرعاية قطر للإخوان، وتأييد تركيا لحماس، واقتناع أميركا بدور الإسلام السياسي 'المعتدل'.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2014/04/30، العدد: 9544، ص(8)]

صار- أخيراً- بمقدورنا أن نرى الاتفاق بين فتح وحماس قد بدأ يخطو نحو الواقع. دعونا الآن من البحث عن أسباب الصراع بين الفصيلين، والذي لا يعود إلا لأمر واحد وحيد ألا وهو امتلاك السلطة. ولكن ما الذي عجل في تنفيذ الاتفاق؟

حين نفذّت حماس عملية عسكرية واسعة في غزة للقضاء على السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وتحويل السلطة وخاصة أجهزة الأمن والقضاء والاقتصاد إلى سلطتها، وصارت حماس هي السلطة، والسلطة هي حماس، كان الهاجس هو الاستئثار بغزة من بابها إلى محرابها. وصار لسان حال قياداتها كلسان حال الخليفة العباسي المستعصم بالله “غزة تكفيني”.

وصار قطاع غزة شبه دولة فيه رئيس وزراء، ووزراء وشرطة ومحاكم وسجون، ويضاف إلى ذلك أيديولوجيا. بل إن حركة حماس وبعد العدوان الهمجي الإسرائيلي على غزة عام 2012 عقدت اتفاقا مع إسرائيل برعاية الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، أخذ صيغة اتفاق بين دولتين مستقلتين. وقد تضمن الاتفاق- آنذاك- البنود الآتية كما صيغت بشكل رسمي:

1 - وقف إطلاق النار بشكل كامل.

2 - تتحمل حماس مسؤولية إطلاق أي صاروخ من قطاع غزة باتجاه إسرائيل.

3 - تلتزم حماس بملاحقة أي فصيل أو مجموعة تخترق التهدئة التي ستستمر خمس سنوات قابلة للتجديد.

4 - تنظر إسرائيل بموضوع المعابر وتتعهد بإدخال تحسينات إن استمرت التهدئة.

5 - إسرائيل لها حق الرد في حال أي خرق من أية جهة كانت إن استمرت التهدئة من قطاع غزة.

6 - وقف عمليات تهريب السلاح، على أن تقوم حماس بجمع السلاح الثقيل من قطاع غزة ويوضع بمسؤولية قوة ثلاثية مشرفة مكونة من مصر وأمريكا وقطر.

7 - تعهد حماس بتنفيذ الاتفاق وعدم إطلاق أي صاروخ من قطاع غزة.

8 - تعهد الرئيس المصري المعزول بوقف تهريب السلاح من سيناء إلى غزة وعدم إطلاق الصواريخ من غزة إلى إسرائيل.

عقد اتفاق كهذا يدل دلالة واضحة على أن حماس تتصرف بوصفها دولة غزة. ولاسيما أن الاتفاق تم بوساطة دولة أخرى. والبند الثالث الذي يشير إلى أن مدة التهدئة خمس سنوات قابلة للتجديد يعني أن حماس باقية في السلطة إلى ما شاء الله.

وبدا أن السنوات الذهبية لحماس ارتبطت بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وبرعاية قطر للإخوان، وتأييد تركيا لحماس، واقتناع أميركا بدور الإسلام السياسي «المعتدل».

أما وإن الأمور قد تغيرت وخرج الإخوان من السلطة في مصر خروجاً مطروداً مع قرار باعتبارهم حركة إرهابية، وتأكيد المملكة السعودية على أن الإخوان حركية إرهابية، وأخذ قطر الحذر بعد سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين، وتغيير أميركا نظرتها إلى دور الإسلام السياسي، وتفاقم مشكلات الحياة المعيشية في غزة، فقد تحوّل شعار “غزة تكفيني” إلى حماس لا تكفي غزة. وأمام هذا الضعف وجدت حماس في تطبيق الاتفاق الذي تم في مرحلة قوتها فرصة لخروجها من مأزقها السياسي والوجودي.

لكن إسرائيل سرعان ما «زعلت» من الاتفاق الحمساوي- الفتحاوي وعبرت عن «زعلها» عملياً وكذا أميركا. فما الذي أغضب إسرائيل إلى هذا الحد من الغضب؟ ماذا يضير إسرائيل من الإتفاق؟

هناك ثلاثة أمور أغضبت إسرائيل:

أولاً : إن من مصلحة إسرائيل أن يظل هناك انفصال بين غزة والضفة، فهي لا تريد للوحدة الجغرافية والسكانية أن تكون لدولة فلسطينية آتية لا محالة. واستقلال حماس في غزة حقق لها هذه الرغبة، وبقاء حماس سلطة مستقلة في غزة مصلحة إسرائيلية كما هي الحال في بقاء الضفة بسلطة مستقلة، وبالتالي فإن عودة الوحدة السكانية والجغرافية لغزة والضفة ليس من مصلحة إسرائيل.

ثانياً إن سلطة حماس- كما دللت التجربة- قادرة على حماية حدود إسرائيل مع غزة بوصفها مسؤولة عن السلطة، تماماً كما هو حال حزب الله وحماية حدود إسرائيل مع جنوب لبنان، وهذا ما لا تستطيع القيام به منظمة التحرير الفلسطينية أو سلطة رام الله في غزة، وفقدان حماس السلطة في غزة يعني فقدان إسرائيل للأمن.

ثالثاً: إن من مصلحة إسرائيل أن تكون هناك جماعات حاكمة أو غير حاكمة ذات خطاب أيديولوجي راديكالي يدعو إلى التحرير من البحر إلى البحر وإزالة إسرائيل من الوجود بوصفه خطابا تبريريا أيديولوجيا زائفا مع عجز واقعي في خطاب جماعة الممانعة “النصرللي الأسدي الآياتي الإلهي الجبريلي الحماسي”، لاستغلاله وإيجاد شرط دائم لتعزيز العصبية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي. وإذا ما تخلت حماس عن خطابها الراديكالي وسارت في طريق سلطة رام الله فقدت إسرائيل كثيراً من خطاب العصبية.

أما غضب أميركا فلا يعوّل عليه، لأنه غضب كاذب وشكلي: مفاده أن الحكومة القادمة التي ستشارك فيها حماس يجب أن تكون كالحكومة التي لا تشارك فيها من حيث الممارسة السياسية ومن حيث الخطاب. وهذا ما سيكون إن تمت المصالحة على أكمل وجه.

كاتب فلسطيني وأستاذ الفلسفة في الجامعات السورية

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر