الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

حريق الطائفية والإعلام

الانتخابات العراقية أصبحت مواسم لاستعراض الولاء المذهبي، فقد قسم رجال السياسة المجتمع العراقي إلى 'أبناء يزيد وأبناء الحسين' وإلى 'رافضة ونواصب'.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2014/05/06، العدد: 9550، ص(9)]

لم يكن مشهد الانتخابات العراقية الأخيرة، معزولا عما يجري في الحياة السياسيّة العراقيّة من محاصصة طائفية وعرقيّة ودينية، وتثوير طائفي وقومي قادته معظم وسائل الإعلام العراقية بخطابات إعلامية مبرمجة من خلال تلغيم المواقف والأحداث بوقائع وصور وكلمات ساهمت في توتير المشهد السياسي والاجتماعي، وتعميق الولاءات بعصبيات مذهبية، وصلت إلى حد القتل بدم بارد بين المكونات العراقية.

وما يثير الانتباه حقا هو أن الانتخابات العراقية أصبحت كما يبدو مواسم لاستعراض الولاء المذهبي أكثر منه لاستعراض البرامج الانتخابية، فقد قسم رجال السياسة المجتمع العراقي مع الأسف إلى (أبناء يزيد وأبناء الحسين) وإلى (رافضة ونواصب) و(صفويين وإرهابيين)، وتشبيهات لا حصر لها من الألقاب والأسماء التي لم نسمع بها، إلا بعد دخول المحتل ودخول الأحزاب الدينية الطائفية.

وإذا كان لهذه الأحزاب مشاريعها السياسيّة، إلا أن هذه المشاريع تتجه إلى (العموميات) ولا تقدم حلولا علميّة وواقعيّة للمشكلات العراقية، إنما تحاول دغدغة عواطف الناس ومزاجهم وحاجاتهم بشكل بدائي يستند إلى ثقافة دينية مغلقة، فلا يزال البرنامج السياسي يتأطر بثقافة البيئة التقليدية وحاجاتها، وبآليات الربح والخسارة، وبروح اقتناص الفرص، والتلاعب بالعواطف والغرائز.

فنحن اليوم أمام مشهد صراعي سلبي لا يتجه إلى مناقشة البرامج السياسية بل إلى تخويف الآخر، واغتياله جسديا ووطنيّا، وبناء صور نمطية للطوائف والقوميات بحيث يرتبط بعضها بنعوت خارج الحالة الوطنية، لتؤذي المشاعر، وتوقظ البغض والكراهية بين مكونات الشعب.

إعلاميا، فقد أشعل الإعلام العراقي فتيل الطائفية بامتياز في الانتخابات العراقية، وخصّب لنا الطائفية المقيتة ليقتل الشعب بأمراضها من خلال خطاباته الملوثة بغاز (يورانيوم الإعلام المخصب)، وهو نفس الغاز “البيولوجي” الذي قتل الشعب العراقي من قبل قوات التحالف، وترك لنا ملايين من البشر يعانون أنواع الأمراض التي مازالت تنهش أبناء العراق بالتساوي جسديا، بمعنى أن الخطاب الإعلامي العراقي لا يقل خطورة عن هذا الغاز في تدمير العقل العراقي.

فهذا الإعلام وقع في فخ المنازعات والصراعات السياسيـة والحزبيـة والطائفيـة والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجندتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.

فقد تميزت خطابات هذا الإعلام المريض بمعالجات طائفية وقومية تقترب من الولاء إلى المذهب والعشيرة والقومية، أكثر من اقترابها من الهم الوطني والولاء للوطن.

وعلى الرغم من تناسل الفضائيات، وتنوع وسائل الإعلام وكثرتها، وهي ظاهرة صحية إذا كان هذا التنوع يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر. إلا أنها تحولت إلى منابر إعلامية لتأجيج الصراع السياسي بين الأحزاب والطوائف والقوميات والأديان، وأداة دعاية تحريض لإشعال فتيل الحرب الطائفية وتكريس ثقافة المحاصصة والمصالح، وإثارة الغرائز والدوافع النفسية من خلال نبش الماضي وانتقاء الأحداث بازدواجية المعايير. مما ساعد على ولادة تكتلات إعلامية طائفية وقومية وعرقية تتبنى الدفاع عن حقوق مواطنيها فقط، وتلغي الآخر تحت مبررات “التكفير” و”التخوين” و”الإرهاب”.

وإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخّة تشكل جريمة في حق الشعب والوطن، فإن تفجيرات الفتنة الإعلامية التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية، وبالذات الفضائيات هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي.

فنحن نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية لا هوية لها.

والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها يبشر بثقافة الطائفة ويلغي الآخر، تحت مبررات عديدة، مرة بتهميشها من قبل المذهب الآخر، ومرة بتكفيرها من الطائفة الأخرى.

وبغض النظر عن الأحزاب والكتل، ومساراتها الطائفيّة والقوميّة والعرقيّة، وتركيبة الأحزاب السياسية وبرامجها، وتقليدية قادة الأحزاب والتكتلات والكيانات، وارتباطهم بثقافة الماضي، وولاءاتهم المختلفة والمتناقضة، وتجربتهم المتواضعة في ممارسة الديمقراطية، فإن هذه الانتخابات سجلت تضحية جديدة للعراقيين بعد غياب دام أكثر من 50 عاما على آخر ممارسة ديمقراطية لهم في الانتخابات، رغم نزيف الجرح العراقي الذي مازال ينزف جراء تفجيرات الموت ونزيف الدم، وخنادق الطائفية البغيضة، وموت الحياة العراقية بسبب الفقر والبطالة والكساد الاقتصادي وانعدام الخدمات.

باختصار شديد، فإن الشعب بعد عديد التجارب الانتخابية، عليه أن يستيقظ على حرائق سياسييه الذين يتألقون في إثارة النوازع البدائية للمواطنين، ويستغلون طيبتهم وفقرهم وحاجاتهم الإنسانية، وأن ينتبه إلى خطابات إعلامهم الطائفي، وأن يبرهن أنه أرقى من سياسييه وعيا وتجربة وممارسة.

لأن إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية، هو مقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عربا وأكرادا، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات ضمن إطار دولة العراق، فهي الضمانة الحقيقية للتوافق، وركيزة أساسية لبناء الديمقراطية والمجتمع المدني.

لأن الأوطان لا تبنى على توحش طائفة على طائفة، أو عرق على عرق، وإنما تبنى على مفهوم التوافق الوطني على قضايا الشعب والوطن.

إعلامي وأكاديمي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر