الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

جدوى الكتابة

لعل ما يحدث في سوريا من جرائم تفوق الوصف هو مثال صارخ عن موت الضمير الإنساني والتنصل من أيّة مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه ما يرتكب من فظاعات بحق شعب خرج يطالب بحقه في الحرية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/05/17، العدد: 9561، ص(17)]

يزداد الحديث عن جدوى الكتابة في عصر باتت تحكمه حمى الاستهلاك وقيم المادة، وتحول الإنسان فيه إلى كائن ضعيف مستلب أمام سطوة هذا الواقع العاتي وجبروته. ويزداد هذا السؤال إلحاحا مع المأزق الأخلاقي والقيمي الكبير الذي باتت تعيشه المجتمعات الإنسانية، من خلال سكوتها عما ترتكبه أنظمة القتل والاستبداد من جرائم وعمليات إبادة جماعية للبشر تحت مرأى وسمع العالم المتحضر، الذي طالما تغنى بقيم الحرية والديمقراطية.

ولعل ما يحدث في سوريا من جرائم تفوق الوصف هو مثال صارخ عن موت الضمير الإنساني والتنصل من أيّة مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه ما يرتكب من فظاعات بحق شعب خرج يطالب بحقه في الحرية، حتى بات السؤال المقلق هل حقيقة أن ثمة قيما كونية نشترك فيها مع تلك المجتمعات، أو هي تشترك فيها معنا، أم أنها قيم خاصة بها، لأننا ما زلنا مجتمعات لم تبلغ مرحلة التحضر، الذي يؤهلنا لدخول نادي مجتمعات الديمقراطية، التي تنسحب عليها تلك المعايير والقيم. إزاء هذه المفارقة هل يمكن للكتابة أن تكون أكثر من مجرد صرخة في وادي الضمير الإنساني دون أن يكون لها أي رجع، وبالتالي فإن الحديث عن المشترك الإنساني على مستوى قيم الجمال هو مجرد وهم، حاولت الكتابة أن تبتدعه لنفسها بغية تبرير مشروعيتها.

لا شك أن الوجود الإنساني أصبح يواجه مأزقا حقيقيا على مستوى السلوك والقيم، و لم يعد من الممكن تجاهله بدءا من مأزق التغييرات المناخية التي باتت تهدد الحياة على هذا الكوكب، إلى مأزق تغول رأسمال المال وتوسع دائرة ضحاياه من الفقراء، مرورا بحمى الاستهلاك وتحول الإنسان إلى عبد لمنتجه الآلي ومكننة الحياة من حوله.

ومما يعزز من وطأة هذا الشعور، هي تلك الازدواجية في المعايير والقيم الأخلاقية والإنسانية بين عالم الغرب المتقدم والعالم الثالث. لقد كشفت انتفاضات الشعوب العربية عن هذه الازدواجية بشكل فاضح، بات معها السؤال حول حقيقة رغبة الغرب في نشر قيم الحرية والديمقراطية في العالم مسألة تتطلب مراجعة وإعادة نظر شاملة. لكن الأدهى من ذلك هناك من يلعب في الظلام ويحاول الانزياح بثورات الشباب العربي عن أهدافها من خلال إدخالها في دوامة من الصراعات. فهل تستطيع الكتابة أن ترفو ما يتمزق أو أن تدفع باتجاه استعادة الثورات لقيمها الكبيرة؟ رغم هذه الصورة الرمادية لن تستطيع الكتابة التنصل من دورها ووظيفته في إعلاء قيم الجمال والخير وتوسيع دائرة الحلم والأمل أمام تطلعات الإنسان من أجل الحرية ومجتمع العدالة، الذي تحترم فيه كرامة الإنسان بوصفه إنسانا جديرا بكل هذه القيم العظيمة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر