الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

العالم في عريه الأخلاقي أمام ضحايا مجزرة الكيمياوي

هذا الوضع المعقد والمواقف الدولية المخجلة تجاه الصراع لابد أن يقود إلى مزيد من التطرف والتشدد، ولابد للجماعات الجهادية أن تجد فيه أرضا صالحة للتمدد وترسيخ وجودها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/08/27، العدد: 9302، ص(8)]

على إيقاع المأساة السورية المفتوح على متوالية الجرائم المتعددة الأشكال والأدوات لنظام بات يستخف بأبسط القواعد والأعراف الأخلاقية والإنسانية للقانون الدولي، يواصل العالم تهربه من مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه تلك الفظائع، ولعل ما حدث مؤخرا في جلسة مجلس الأمن الخاصة بمناقشة جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية في منطقة الغوطة، التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف وخمسمائة شهيد يرسم صورة بائسة للوضع الدولي الذي بات أسيرا للفيتو الروسي والصيني من جهة، والاستقالة من أية مسؤولية أخلاقية وقانونية لوقف تلك المجازر الآخذة بالاتساع والإيغال في وحشيتها، وتمكين قوى المعارضة المسلحة السورية من هزيمة آلة الموت والقتل والدمار للنظام السوري من جهة أخرى.

الروس الذين دعوا للتحقيق باستخدام الأسلحة الكيمائية كردّ أوّلي على خبر المجزرة، كانوا يحاولون فيما يبدو الضحك على ذقون السورين والعالم، كما يقال في المثل السوري، لأنهم عند انعقاد جلسة مجلس الأمن الخاصة بمناقشة هذه الجريمة، وقفوا ضد أي قرار لدعوة اللجنة الدولية الموجودة في دمشق للتحقيق في استخدام النظام للأسلحة الكيماوية في تلك المنطقة، في حين أراد الأميركيون فيما يبدو أن يعفوا أنفسهم من أي مسؤولية تجاه هذه الجريمة التي اعتبرها الرئيس الأميركي أوباما نفسه قبل عام مضى خطا أحمر، وذلك من خلال القول للسوريين لقد حاولنا كما ترون، ولكن لم نستطع أن نفعل شيئا لكم بسبب المعارضة الروسية والصينية. ما يفضح هذه المحاولة الأميركية هو التصريحات التي يطلقها المسؤولون العسكريون في الإدارة الأميركية على وجه الخصوص، والتي كان آخرها تصريح قائد الجيوش الأميركية الذي أعلن فيه بأنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة التدخل العسكري في سوريا، لأن أيا من أطراف المعارضة السورية المسلحة لا يحقق المصالح الأميركية. هذا التصريح في توقيته ودلالاته ليس الأول، فبعد كل مجزرة يخرج علينا مسؤول أميركي ليؤكد هذا الموقف دون أن يعنيه طبيعة الرسالة التي توجهها هكذا تصريحات للنظام السوري، والتي تجعله أكثر شعورا بالطمأنينة والارتياح في ممارسة جرائمه وتنكيله بالسوريين، طالما أن القوى التي تدعي الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ليست معنية بمعاقبته على تلك الأفعال مهما كانت فظاعتها.

لكن الأوضح والأغرب في هذا التصريح هو ربط القائد العسكري الأميركي لأي تدخل في الوضع السوري المتفاقم إنسانيا بالمصالح الأميركية، والتي نعرف جميعا أن إسرائيل تأتي في مقدمة تلك المصالح ما يعري السياسة الأميركية من أي معنى أخلاقي أو إنساني، طالما أنها لا تتحرك إلا وفقا لحسابات المصالح والمنفعة الذاتية التي يمكن أن تحققها من وراء أي تدخل أو عمل تجاه ما يحدث من جرائم وانتهاكات بحق البشر في مناطق النزاعات والحروب في العالم. إزاء مثل هذه المواقف والسلوك المخالف للأعراف الإنسانية يبدو مستغربا حديث تلك الدول عن التطرف وخطر الجماعات الجهادية في سوريا على الأمن والاستقرار في العالم، ففي الحالة السورية البالغة العنف والدموية من قبل سلطة تنتهك كل قواعد القانون الدولي، ما الذي تتوقعه تلك الأطراف الدولية من شعب متروك وحيدا لمصيره المأساوي دون أن يجد من يقف إلى جانب قضيته أو يمد له العون، أو يحاول وقف تلك المذابح المتنقلة بين مدنه وقراه على مرأى ومسع من العالم.

إن من يريد أن يمنع التطرف عليه أولا أن يلغي مبررات هذا التطرف وفي مقدمتها شعور السوريين بتنكر العالم لمحنتهم وتخليه عن مسؤولياته تجاه ما يواجهونه من قتل وتشريد واستباحة لدفعهم إلى مساومة القاتل على حياتهم. من هنا فإن الحديث عن الجماعات الجهادية وأخطارها هو حديث مفتعل لأن السوريين عندما انتفضوا ضد نظام الفساد والتسلط والقمع كانوا سلميين تماما، وحافظوا على سلميتهم أكثر من سبعة أشهر على الرغم من العنف الشديد الذي كان يقابلهم به النظام، لكنه بعد أن وجد نفسه وحيدا في مواجهة آلة القتل الوحشية وعمليات الاغتصاب والتصفيات الممنهجة لرموز ثورته السلميين، اضطر لحمل السلاح مع بداية عمليات انشقاق عناصر الجيش السوري الشريفة التي رفضت تنفيذ تلك السياسة الإجرامية بحق المنتفضين السلميين. لقد كان يمكن لهذا التحول في وضع الثورة السورية أن يقنع القوى الدولية بضرورة التدخل الفعال لمنع النظام من مواصلة تلك السياسة، لكن تلك القوى ظلت تكتفي ببيانات الشجب والاستنكار وسياسة الضغط، في الوقت الذي كانت تعي فيه جيدا عجز تلك السياسة عن ردع النظام الذي يتمتع بغطاء سياسي روسي- صيني وبدعم عسكري ولوجستي واقتصادي روسي وإيراني واسع، كانت من نتائجه الخطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة إذكاء الصراع المذهبي والطائفي فيها، لاسيما بعد التدخل العسكري المباشر والعلني من قبل حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس والحرس الثوري الإيراني إلى جانب النظام في قتل السوريين.

إن هذا الوضع المعقد والمواقف الدولية المخجلة تجاه الصراع المحتدم لابد أن يقود إلى مزيد من التطرف والتشدد، ولابد للجماعات الجهادية أن تجد فيه أرضا صالحة للتمدد وترسيخ وجودها.

لذلك على الغرب ألا يتخذ من الجماعات الجهادية المتشددة في سوريا فزاعة أو ذريعة لتبرير عجزه وتخاذله وتخليه عن مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، لأنه كان بمقدوره ومازال وقف هذا التمدد للفكر الجهادي المتشدد ولرموزه داخل صفوف الثورة السورية عندما يقنع السوريين بأن العالم لم يتخلّ عنهم ويتركهم وحيدين في مواجهة هذا النظام الوحشي وحلفائه الداعمين له بكل أدوات القتل وأحدثها.

لم يخرج السوريون على نظام القتل والفساد والتسلط الفئوي، لكي يقعوا تحت رحمة الدول الكبرى ومصالحها في المنطقة. هم جزء من المجتمع الدولي الذي تترتب عليه مسؤوليات أخلاقية وقانونية تجاه قضيتهم، وإذا ما أرادوا للسوريين أن يكونوا جزءا فاعلا وإيجابيا في المجتمع السوري يجب عليهم أن لا يدفنوا ضمائرهم ومسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية مع أطفال ضحايا هذه المجزرة المروعة التي تدلل على حجم الإجرام والاستهتار الذي بات يبديه النظام تجاه القانون الدولي والإنساني ومن يدعون حمايته في هذا العالم.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

العالم الآن

:: اختيارات المحرر