الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الرواية والاستبداد

كتاب ومثقفون لم يستطيعوا الخروج من جلودهم فآثروا الوقوف إلى جانب أنظمة الاستبداد والفساد، وكانوا في مقدمة المدافعين عنها وعن أكاذيبها في الممانعة ومعاداة الأمبريالية والصهيونية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/05/22، العدد: 9566، ص(15)]

عندما جنحت الشيوعية الستالينية نحو استبداد مرعب واجهها العديد من الكتاب الشيوعيين العالميين الذين كانوا رأوا في الشيوعية حلمهم الإنساني في تحقيق العدالة والحرية والكرامة الإنسانية بالكثير من الرفض والإدانة معبرين عن خيبتهم الفادحة من الثورة، ونكوصها عن المشروع الذي ادّعت أنها جاءت تبشر برسالته.

الروائي الأنكليزي جورج أورويل كان في مقدمة هؤلاء الكتاب الذين وجدوا في استبداد سلطة ستالين شرا لا يقل أذى عن الفاشية الأوروبية والمكارثية الأميركية. هذه الرؤية المأساوية بالغة المرارة للمآلات التي انتهى إليها حلم الشعوب الثائرة من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وللمستقبل البائس الذي ستعيشه هذه الشعوب في ظل ديكتاتورية الحزب وأجهزته الأمنية الرهيبة، صاغها في سردياته، ولا سيما في روايتيه الشهيرتين حديقة الحيوان و1984، حتى اعتبرت الروايتان علامتين فارقتين في تاريخ الرواية السياسية الأوروبية.

لم يكن أورويل استثناء بين أدباء الغرب ومناضليه، بل كان هناك العديد من الكتاب الذين وقفوا ضد شبح الاستبداد الستاليني الذي بدأ يغتال أحلام اليسار الماركسي في أوروبا، ويقسم الحركة الشيوعية في العالم وإفقادها لرصيدها المعنوي والشعبي.

وعلى الرغم من الاستبداد الجاثم طوال عقود على صدور الشعوب العربية فإننا نحاول البحث عن صوت روائي عربي بحجم أورويل أوغيره من الذين كشفوا عن المآلات المخيفة لعصر الاستبداد الستاليني والسلطة الأمنية الرهيبة للنظام الشيوعي على مصائر وحياة الناس في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وما يمكن أن يكون عليه الحال في بريطانيا أو فرنسا لو حكمها هؤلاء الشيوعيون.

الكتاب اليساريون العرب مارس بعضهم النقد الخجول، أو استخدم لغة التعميم لكي يتهرب من المواجهة مع هذه السلطة أو تلك من خلال تسميتها بالاسم، ولذلك لم نجد عملا كاملا يحاول تمثل الآثار السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المدمّرة لسلطة الاستبداد على الشخصية والواقع العربيين، بل على العكس من ذلك كان هناك العديد من الروائيين العرب الذين تنعموا من علاقتهم مع سلطة الاستبداد، وحققوا المجد والشهرة دون أن يرف لهم جفن، بل إن بعضهم سارع مع بدايات الانتفاضات العربية إلى ركوب موجة هذه الانتفاضات والتغني بها، وكأنها كانت جزءا من أحلامهم وأمانيهم التي حولتها الجماهير الشعبية إلى حقيقة.

كتاب ومثقفون آخرون لم يستطيعوا الخروج من جلودهم فآثروا الوقوف إلى جانب أنظمة الاستبداد والفساد، وكانوا في مقدمة المدافعين عنها وعن أكاذيبها في الممانعة ومعاداة الأمبريالية والصهيونية، بل إن من صمت منهم كان شريكا في مواقف خيانة تطلعات الشعب الثائر على طغاته، عندما لم ينحز لقوى الحرية والديمقراطية والكرامة ولم يُدن جرائم الطغاة المستبدين ويقف إلى جانب الشعب في ثورته.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر