الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

فلسفة الشعب: تحذير مبكر للسيسي

كان ناصر نظيف اليد واللسان، ويأمل الشعب في أن يكون السيسي شبيهه، لأن الشعب لا يحتمل اللص ويكره دور الوصي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/05/29، العدد: 9573، ص(8)]

أنهيت مقال «المزاج الشعبي: التفويض ليس أبديا» يوم السبت (24 مايو 2014) عشية بدء التصويت في الانتخابات الرئاسية المصرية، بهذه الكلمات: «المزاج الشعبي يتجه بقوة نحو السيسي. مزاج مشروط وليس أبديا، فليس لأحد فضل على شعب أنقذ الجيش والسيسي، بالخروج الكبير في 26 يوليو 2013، وينتظر الإجابة عن سؤال الثورة والدولة والمستقبل».

وجاءت إجابة الشعب عبقرية في اليوم التالي، بالإقبال العادي على التصويت، ليس عزوفا ولكنه كما يقول المثل المصري “قرصة أذن”، وهو سلوك يلجأ إليه الأب أو المعلم في المدرسة أو “الأسطى الصنايعي” من باب تذكير التلاميذ والصبية، ولفت نظرهم لا عقابهم. الشعب المصري هو المعلم والأبقى والأكبر من أي قائد.

وقد علّمت التجربة التاريخية الشعب ألا يميل إلى العنف، فلسفة الصمت أحيانا تكون درسا قاسيا. صلاح الدين الأيوبي حقق نصرا ثم عقد صلحا مع الأعداء، فمضت حياته من دون أن تتسرب إلى الروح الشعبية، وذلك عقاب كاف. في حين ابتكر المصريون سيرة شعبية للظاهر بيبرس، أعادوا خلقه على صورة كانوا يودون أن يكونها، لأنه قاوم ولم يصالح الأعداء. عبدالناصر هزم في 1967، وإلى الآن، تستدعى سيرته وترفع صورته في الاحتجاجات، في حين غاب السادات الذي حقق النصر عام 1973، لأنه تصالح مع العدو.

هل استعلى عبدالفتاح السيسي على الشعب؟ الشعب الذي توصل إلى الإله الواحد الأحد، واخترع الدين والدار الآخرة، لا يقبل الاستعلاء، ويحارب حكامه بوسائلهم، ففي القرن العاشر الميلادي، ادعى العزيز بالله أنه يعلم الغيب، فتهكم عليه الشعب بوسيلة يظن نفسه متفوقا فيها، إذ تركوا له في المسجد بطاقة تقول:

«بالظلم والجور قد رضينا/ وليس بالكفر والحماقة»

«إن كنت أعطيت علم غيب/ فقل لنا كاتب البطاقة»

كان عبدالناصر نظيف اليد واللسان، لم يضبط يوما متلبسا بفساد، ويأمل الشعب في أن يكون السيسي شبيهه، لأن الشعب لا يحتمل اللص، ويكره من يتخذ دور الوصي. سمعتها يوما من حلاق كان يبدي إعجابه بالممثل نور الشريف في أحد أدواره، وكاد الرجل يؤذي رأسي بالمقص وهو يتابع الفيلم، ثم أصابه الوجوم حين قال الممثل لصديقه عن شركة ينوي تأسيسها: «دي شركة، مش صالون حلاقة». انفعل الحلاق غاضبا: «وماله صالون الحلاقة يا محمد يا جابر يا ابن الـ…». (محمد جابر هو اسم الممثل الذي غيره إلى «نور الشريف»، ولا يحب أن يذكره أحد باسمه الأصلي).

لا يقبل الشعب أن يمن عليه أحد بمال أو شهرة أو دور وطني في التخلص من تنظيم سري يهدد كيان “الدولة”. وتتردد شعبيا مقولة رد بها الشعب على عبدالناصر، حين أعلن التنحي بعد هزيمة 1967، وهي: “… لا تتنحى”، وفي مكان النقاط لفظ سوقي يدل على الاعتراض الساخر. لا ندري هل قيل ذلك أم لا، ولكنه من الميراث الشعبي، مثل سيرة الظاهر بيبرس.

حين دعي السيسي لإعلان برنامج انتخابي، قال شيعته: «الرجل هو البرنامج». ولم يرد السيسي على مطالبته بعمل مؤتمرات انتخابية، ومحبوه فعلا بالملايين، ويثقون به ويرونه نسخة عصرية من عبدالناصر، ويريدون أن يسألوه ويرد عليهم، وقال شيعته: «المشير لا يحتاج مؤتمرات»، وجاءت نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات الرئاسية «قرصة أذن» من الشعب المعلم، تذكر السيسي أن الخروج على صيغة 30 يونيو يهدد مستقبله، وأن بعض شركاء 30 يونيو، فلول مصابون بحساسية نفسية من 25 يناير، وهم الآن أقرب إليه من صناع الثورة، تلك الثورة المستمرة التي لولاها لظل مديرا للمخابرات الحربية، ينتظر الإحالة للمعاش في 19 نوفمبر 2014. الشعب المعلم لا يقبل مستبدا ولو كان عادلا، تلك هي رسالة الانتخابات. نقطة ومن أول الثورة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر