الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

ربع الساعة الأخير من لعبة الحكم في العراق

المالكي مصمم على كسب معركة 'الأصوات' حتى دون مباركة البيت الشيعي، وهو يشتغل على استمالة بعض الأصوات الشيعية، ويعمل على استقطاب كتل صغيرة من العرب السنة.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/06/09، العدد: 9584، ص(9)]

الفصل الأهم من مهرجان الانتخابات العراقية هو كما توقع كثيرون عملية اختيار رئيس الحكومة العراقية الجديدة. والعقدة الحالية هي كيفية الخروج من المأزق الذي يعيشه التكتل الشيعي الذي منحه الحاكم الأميركي بريمر استحقاق حكم العراق دون توضيح ذلك دستوريا، لكن صيغة «المكونات» الواردة فيه تشير إلى أن النظام السياسي لا تحكمه قاعدة «دولة المواطن» وإنما «دولة المكونات الشيعية والسنية والكردية». وقصة «الكتلة الأكبر» التي مرّرت نوري المالكي رئيسا للوزراء عام 2010، بعد تفويضه من قبل التحالف الشيعي هي ذاتها التي تواجه اليوم مأزق تنحية المالكي من الولاية الثالثة التي لم يحرمّها الدستور العراقي.

فصاحب الـ95 مقعدا يفاوض اليوم أطراف التحالف الشيعي انطلاقا من رقمه الفائز، والانتخابات أرقام، وإلا لكان موضوع التوافق والشراكة يمر من قناة أخرى غير الانتخابات. ويدعي المالكي أنه يمتلك 175 مقعدا، مما يؤهله لتشكيل الحكومة الجديدة. لكن ذلك مرفوض من قبل كتلتي المواطن والأحرار اللتين حصدتا 65 مقعدا فقط، وبلغة الأرقام لا تتمكنان من إهمال “دولة القانون” صاحبة الـ95 مقعدا وعليهما الخروج من سقف البيت الشيعي إلى فضاء الكتل العربية السنية والتي لو اجتمعت- بما فيها كتلة أياد علاوي- لتحقق نصاب الأغلبية دون الأكراد. ولعل هذا الخيار المر لو تحقق لأنهى دون رجعة “التحالف الشيعي” وهو أمر مرفوض من قبل المرجعيات المذهبية في كل من النجف وقم.

إن الأزمة البنيوية داخل أطراف “الإسلام الشيعي” تتمحور اليوم حول الصراع على كرسي الحكم “الشيعي” والعمل على إخراجه من المالكي لأنه “تمرد على قدسية التحالف الشيعي ودخل حقل المحرمات”، وهذا الموقف وجد صداه لدى الكتلة العربية السنية الضعيفة والمفككة على وقع مصالح أطرافها الغنائمية ولا دخل في ذلك لنزيف الدم المراق في الأنبار والفلوجة وباقي المحافظات الست المنتفضة. ولحد اللحظة ما زالت المعركة مشتعلة ما بين المالكي وخصميه (الصدر والحكيم) وهناك أصداء تعبوية إعلامية من قبل بعض أطراف الكتل العربية السنية ضد الولاية الثالثة للمالكي على خلفية الانهيار الأمني وأزمة الأنبار، إلى جانب ما يسوقه الأكراد من مطالب خاصة بهم يقولون إن المالكي نكث بوعوده حولها.

الظاهر أن المالكي مصمم على كسب معركة “الأصوات” حتى دون مباركة البيت الشيعي، وهو يشتغل على استمالة بعض الأصوات الشيعية بعد المحافظة على حلفائه داخل قائمة دولة القانون، والأكثر من هذا عمله المعلن على أفراد وكتل صغيرة من العرب السنة، وهناك مؤشرات واضحة على ذهاب بعضهم من الآن معه في حين ينتظر الآخرون ربع الساعة الأخير للذهاب معه. لقد فقدت الكتلة العربية السنية مكانة المبادرة والتأثير في المشهد السياسي منذ سنوات، لسبب أصبح معروفا ومخيبا لآمال منتخبي تلك الوجوه المتكررة الباحثة عن مصالحها الذاتية، بل إن المالكي الذي نجح في عملية تفتيت الكتلة العراقية عام 2010 قادر اليوم لو نجا من “الضربة الشيعية القاتلة” على جر الكثيرين ممن نسمع أصواتهم العالية ضد ولايته الجديدة، وقد أكد ذلك مؤتمر “اتحاد القوى الوطنية” والذي جمع “العربية” و”ديالى” و”الأنبار” و”الحل” وأجزاء من “متحدون” (التي تحولت إلى “متفرقون” بعد خروج كثيرين منها عن عباءة أسامة النجيفي الذي أعلن عن موقف عدم المهادنة مع المالكي حاليا). وائتلافات أخرى لم تعلن موقفها من الانضمام إلى قائمة المالكي من عدمه إلى حد اللحظة، وهي ما أطلق عليها مصطلح “سنة المالكي، إلى جانب شيعة المالكي” حيث متوقع له جمع الأعداد المؤهلة لتشكيل الحكومة.

يبدو أن سياسيي «العرب السنة» هم الحلقة الأضعف والأكثر رجاجة وتقلبا، لأنهم جميعا- باستثناء قائمة «إياد علاوي» لارتباط هذا الموضوع به شخصيا كخصم سياسي للمالكي- يسعون إلى بيع مواقفهم بالمناصب والمكاسب.

وقد أشرت في مقالتي بتاريخ 28 مايو إلى أن إعلان اتحاد القوى الوطنية وأسموه إعلاميا «اتحاد الأقوياء» لعبة مصالح ومكاسب و«بزنس» يديرها مقاولون دخلوا جديدا في قائمة الأغنياء، ويحصلون على المغانم من بيع الكلام وبيع المواقف بالوكالة، ولا علاقة لهم بالدفاع عن العرب السنة «المهمشين والمظلومين». وقد ظهرت دوافع اللعبة سريعا، وسينكشف جميع اللاعبين كذلك سريعا وقبل تشكيل الحكومة، بما فيهم “الأكراد” الذين لا يكترثون بسياسة الحاكم تجاه عرب العراق، وإنما بمسلسل جني المكاسب.

إن التكتل الشيعي لن يفرط في حكم العراق مقابل أزمة مع أحد ممن أفرزهم هذا التحالف، حيث يمكن تسوية الأزمة معه، وتعتمد هذه المسألة في النهاية على قدرة المالكي على المناورة. وأعتقد أنهم سيصلون إلى حلول وسطية بعد أن يدخل العامل الإقليمي (طهران) على الخط، وهناك إشارات من أروقة الحكم الإيراني لتأييد المالكي، أما واشنطن فلا يتوقّعن أحد دخولها بموقف ضد المالكي وهو صديق لها. وليس للسعودية أو غيرها من دول الخليج دور في اللعبة. فلا فرسان سنّة قادرون على لعب أدوار مؤثرة سوى الرثاء على الأطلال والتبجح بالدفاع عن كوارث أهلهم.

إيران وأميركا تسيران اليوم إلى مرافئ توافق المصالح وحل أزمة النووي، ويهمهما تسوية أزمة العراق وسوريا ولبنان على قاعدة “الشراكة” وليس الاستحواذ. العراق مهم بالنسبة إلى إيران بسبب المذهب والعقيدة كوسيلة لحماية مصالحها، والنفط لن تخسره أميركا وفق مبدأ الشراكة هذه، وفي سوريا لن تستميت إيران من أجل بشار الأسد إلى ما لانهاية، وقد تقبل حكما جديدا يحافظ على أمن إسرائيل حتى وإن كان حكما “سنيا”، ولبنان قصتها ليست معقدة ولن تتبدل فيها قواعد اللعبة “الطائفية”، البرلمان يحكمه الشيعة ورئاسة الوزراء من السنة المدجنين ورئاسة الجمهورية من المسيحيين الموارنة. وصوت تحرير فلسطين المنطلق من جنوبي لبنان سيتلاشى تدريجيا، فلا خوف على أمن إسرائيل حتى مع بقاء حزب الله الذي تحول إلى أداة عسكرية لحماية أنظمة سياسية خارج حدود لبنان، وأصبح يلعب دور المعطل للوئام السياسي.

لعبة الحكم في العراق تسير وفق قناتها المرسومة. الشيعة هم الحكام والسنة على الهامش، سياسيوهم لا علاقة لهم بمصالح الطائفة وإنما بمصالحهم الذاتية رغم أن الناخبين السنة أعطوهم أصواتهم مرة أخرى، لأنهم كما إخوانهم الشيعة وضعوا داخل قنال لا مخرج منه إلا عبر هذه الوجوه المكرورة. لا فرسان جامحة بحلم العراقيين، بل هي فرسان متعبة بعضها هجين لا يقوى على الجري، وبعضها الآخر منهك بأثقال متاع المغانم الخاصة، وأخرى ما زالت جائعة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر