الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

صدمة الانهيار في العراق

الحل لمواجهة أخطار تفكيك العراق وتمزيقه هو مؤتمر وطني عراقي برعاية الجامعة العربية والأمم المتحدة تنظمه لجنة تحضيرية من القوى الوطنية العراقية غير الطائفية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/06/16، العدد: 9591، ص(8)]

ماذا حصل في الموصل بنينوى وتكريت وسامراء بصلاح الدين وأقضية المقدادية وخانقين وحويجة كركوك، إضافة إلى الرمادي وفلوجة الأنبار، فضلا عن أقضية ونواح عدة من مناطق العرب السنة؟ ما هي تفاصيل الانهيار العسكري لقرابة مائتي ألف جندي عراقي في الموصل؟ وهل كان الانهيار نتيجة اختلال توازن القوى العسكرية أم نتاجا لنظرية «الخدعة والمؤامرة» حسب تفسير القائد العام للقوات المسلحة العراقية؟ أم أن الأسباب تعود إلى أسباب معنوية ترتبط بتراكم الإحباط لأبناء هذه المناطق منذ أكثر من عشر سنوات؟

ولماذا تم تبسيط هذه الغلبة العسكرية المذهلة للتنظيمات الإرهابية المتمثلة في داعش؟ وما ارتباط كل هذه الحقائق، بأحداث قد تصدم روتين العقل داخل العراق وخارجه؟ وما ارتباط ذلك بالخارطة الجيوسياسية للعراق والمنطقة في مناخ يسوده الغموض في المواقف المحلية والإقليمية والدولية؟

إذا كان من المستحيل الإجابة عن هذه التساؤلات في هذه السطور القليلة، إلا أنه من المفيد إلقاء الضوء على البركان الذي انفجر من الموصل وانتقل إلى المدن الأخرى في سيناريو يصفه قادة العمليات العسكرية بأنه يستهدف العاصمة العراقية بغداد.

الصدمة التي أحدثها الانهيار العسكري المدوي لقطعات الجيش العراقي بهروب قياداته الرئيسية والفرعية هي نتاج طبيعي لأسباب تقع خارج تقاليد المنظومة التسليحية والبشرية، إضافة إلى أن الخصم لم يكن عدواً خارجياً يشحذ همم المقاتلين للدفاع عن الوطن، بل كان الجزء الغالب فيه ليس “داعش” كما يسوّق في الإعلام خدمة للتنظيم الذي أصبح أسطورة مقصودة، لأن بصمات الأحداث وعدم قتل الناس وتسليم المناطق لإدارات مدنية محلية، تشير إلى قوى ومجاميع مسلحة وفصائل كانت منتسبة إلى المقاومة العراقية المسلحة للاحتلال الأميركي، إضافة إلى تنظيمات إسلامية سنية.

وقع الانهيار قبل حدوث أية صدامات مسلحة، وهذا الأمر حصل في جميع المحافظات والأقضية عبر الخطوط الواصلة بين الموصل والجنوب في بيجي وتكريت وسامراء، والجنوب الشرقي في كركوك، وجنوبها في عموم منطقة ديالى وصولا إلى أطراف بغداد. ولا نعرف الأسباب التي تمنع القيادات من الإعلان عن نفسها، غير توقيع المجالس العسكرية.

النسيج السكاني العراقي يحمل مكوناً بشرياً عراقياً يوصف بالعرب السنة، هم الذين واجهوا خلال أحد عشر عاماً حملات من الاضطهاد والاعتقال والقتل المنظم داخل وخارج السجون، كما واجهوا مسلسلاً من الإذلال باستهداف مصادر العيش في الوظائف الحكومية العسكرية والمدنية، حيث تم تحويل مئات الألوف من هؤلاء المواطنين إلى متسكعين داخل العراق وخارجه. ولم تتم الاستجابة إلى مطالبهم المشروعة، بل وصف أصحابها “بالإرهابيين”.

إن تراكم فقدان الأمل من حكومات العملية السياسية، إلى جانب تخلي من يدّعون تمثيلهم للعرب السنة عن الدفاع عن مصالح هذه الطائفة المهمشة أدى إلى هذا الانفجار المدوي، والذي استغلته “داعش” الإرهابية، بل إنها قدّرت مفاعيله اللوجستية، وتحركت على مواقيته قبل غيرها، بما تمتلكه من حرية المناورة الميدانية وفرتها لها الأوضاع المعقدة في سوريا، في حين يواجه السياسيون السنة الحرج أكثر من غيرهم من أعمدة العملية السياسية، وهو الحرج الذي لم يصل إلى حافة الانهيار مثلما وصلوا إليه اليوم.

إن الحديث العام عن “هجوم داعشي” من الخارج إلى العراق لا يتطابق مع الواقع، بل غرضه إبعاد الأسباب الحقيقية لوصول العراق اليوم إلى حافة الهاوية مما يهدد مصيره ومصير المنطقة ككل. كما أن المحنة الكبيرة لا يمكن أن تختصر في صراع السلطة بين نوري المالكي وزملائه من أقطاب العملية السياسية، مثلما يحاول بعضهم تسويقه لإعلان البراءة أمام الشعب العراقي، ولتحقيق مكاسب ما بعد الانتخابات كبديل للمالكي، فأركان العملية السياسية جميعهم يتحملون ما وصل إليه البلد، لأنهم مشاركون فيما آلت إليه حالة أبناء العرب السنة. وهذا ما أشار إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما لأول مرة في تصريحاته الخاصة حول العراق.

ولا أعتقد أنهم قادرون على وضع حلول أو مخارج لحالة العراق الراهنة، ولهذا ليس من المتوقع لأي حلول عسكرية مهما كانت وسائل تعبئتها أن تكون قادرة على وقف الانهيار. فما صرف على بناء الجيش الجديد تجاوز 25 مليار دولار حسب تصريحات المسؤولين الأميركان، فهل سيتمكن جيش ميلشياوي رديف من إبطال الانهيار؟ إضافة إلى المخاطر التي ستؤدي إليها هذه الفتاوى والدعوات من صراع عسكري بين أبناء الشعب الواحد. كما لا يتوقع لأية قوات منظمة خارجية من إيران أو غيرها، مثلما يتسرب من أنباء، أن تكون قادرة على حسم الأوضاع العسكرية.

أعلنت العملية السياسية عن فشلها وليست حكومة المالكي وحدها، ولعل الحل السياسي القادر على مواجهة أخطار تفكيك العراق ليس تشكيل “حكومة أقطاب من داخل العملية السياسية” كما يقترح بعض الوطنيين العراقيين، وإنما الدعوة إلى مؤتمر وطني عراقي برعاية الجامعة العربية والأمم المتحدة تدعو إليه وتنظمه لجنة تحضيرية من القوى الوطنية العراقية التي لا تتهم بالطائفية والفساد، يمكن أن يتحمل أعباء مرحلة انتقالية مؤقتة وفق برنامج وطني عراقي للإنقاذ.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر