الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

متى يتواضع 'المستشرقون' العرب

بعد ثورة 1919، بحث الاحتلال البريطاني عن حصان طروادة لاختراق الحركة الوطنية، فاخترع تنظيم الإخوان عام 1928.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/06/18، العدد: 9593، ص(8)]

لا أشك في استبداد بشار الأسد، وانتظرت أن تتخلص منه الثورة في 18 يوما. ولكن الأماني وحدها لا تمنحني حق الإفتاء في الشأن السوري، فأكتفي بأن أراقب وأتألم وأعيش أشواق الشعب إلى الحرية والأمن. أتجنب “الإفتاء المجاني” لكي لا أبدو مثل مستشرقين عرب، استمرؤوا الأمر، واصطنعوا لمصر صورة متخيّلة، تعيد إلى الأذهان أساطير أنعش بها المستشرقون الأوروبيون وعي الغرب وخياله. غوستاف فلوبير نفسه لم ينج من تلك الغواية.

في ديسمبر 2012 كان الصديق أحمد حسو في القاهرة، وكتب أنه لن يثق بما تبثه قناة “الجزيرة” عن الثورة السورية، بعد أن رأى تحيزها الصارخ، غير المهني، لتنظيم الإخوان، في تغطية أحداث قصر الاتحادية. شهادة يجب أن ينأى بمثلها الكاتب، فيتجنب الإفتاء في ما لا يحيط به علما، أما البديل فهو تبسيط استشراقي يعتمد على تسطيح تلفزيوني، كما يفعل مستشرقون عرب يحلو لهم الهروب من واقع بلادهم، أو مجاملة أنظمة في محميات الخليج، مستسهلين إلقاء الحجارة على مصر وشعبها وثورتها. تبسيط مرضى نفسيين يرون مصر بعد 30 يونيو 2013 ساحة للتردي السياسي. غرض أعمى يشبه مغالطات علويين يدعون للحفاظ على سوريا بحجة أن في رحيل الأسد فوضى تهدم الدولة، وفي المقابل هناك تبسيط استشراقي آخر، متشائم ضيق أفق، لا يرى في الثورة إلا رايات “داعش” و”النصرة” و”جيش الإسلام”.

الذين أصابتهم حرفة الهرتلة السياسية في الشيخوخة، وبعض مستشرقي العرب يستنكرون أن يكون الشخص عميلا لحماس ولأميركا معا. قصر النظر لا يتيح رؤية مصالح مشتركة لإثنين من الأعداء، في لحظة تاريخية، يسمح نفق واحد بتجاور عدوين، يحمل كلاهما وسيلة قتل الآخر بعد تجاوز النفق. يستنكر قصار النظر أن يكون الإرهابي باسم الإسلام عميلا لأميركا، “الشيطان الأكبر”، كيف يكون تنظيم الإخوان عميلا لأميركا؟ يتساءلون: كيف تتحالف أميركا مع “الإخوان الإرهابيين” ثم تدعي محاربة الإرهاب؟

في تبسيط مخل أيضا يسهل القول إن للإرهابيين “الإسلامجية” سوابق في التحالف مع “الشيطان الأميركي”، وقد اصطنعت أميركا إرهابيين، تحالفت معهم ثم اختلفت النهايات، انقلب السحر على السحرة، تمرد العفريت على من “حضّره”، ثار المسخ على غير إرادة الدكتور فرانكنشتاين الذي اكتفى بامتلاك حق منحه اسما يلائم كل مرحلة.

بعد ثورة 1919، بحث الاحتلال البريطاني عن حصان طروادة لاختراق الحركة الوطنية، فاخترع تنظيم الإخوان عام 1928، ومنح مدرسا يدعى حسن البنا (22 عاما) 500 جنيه، ثم 300 جنيه، بحجة التبرع لإقامة مسجد، ضمن خطة استخباراتية تعزز صعود يمين ديني يناهض حركة الاستقلال، ويدعم الملك فؤاد الذي جاء بأحمد زيوار لتعديل الدستور وإلغائه.

ثم استغنى الملك عن زيوار «الشركسي»، وكلف “المصري” محمد محمود بتشكيل الوزارة 1928، وألغى البرلمان الوفدي، وفي عام 1930 ألغى إسماعيل صدقي دستور 1923، واستبدل به دستورا يجعل من الملك مصدر السلطات، ونص الدستور الجديد على اعتباره منحة من الملك. وسينادي زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس بالحد من الصلاحيات غير الدستورية للملك، وتهتف الجماهير: «الشعب مع النحاس»، فيرد الإخوان: «الله مع الملك».

لا أحد، غير المستشرقين العرب، يجهل دور بريطانيا في «صنع» الإخوان. يقول الأميركي روبرت دريفوس في كتابه “لعبة الشيطان” إن الجماعة نشأت جزءا من خطة بريطانية لدعم “قواعد بناء اليمين الإسلامي. لم يتورع خبراؤهم عن استخدام فكرة الإحياء الإسلامي طالما كانت تخدم أهدافهم… مصدّ ضد الشيوعيين والوطنيين المصريين، وفي ما بعد ضد الرئيس جمال عبدالناصر”.

ويسجل الأميركي جين هيك في كتابه «عندما تتصادم العوالم.. بحث الأسس الأيديولوجية والسياسية لصدام الحضارات» أن جماعة الإخوان «تم خلقها بتشجيع وتمويل من جهاز تابع لوكالة الاستخبارات الخارجية البريطانية هو إم 16، لمواجهة ظهور النزعة القومية لحزب الوفد في البداية ثم النازية، ومن بعدها الشيوعية. وكان ينظر إلى كل منها في وقته على أنه تهديد لطموحات لندن الدبلوماسية والمالية في منطقة قناة السويس».

أنشأت بريطانيا «متعمدة ولكن دون تدبر للعواقب جماعة الإخوان المسلمين… على نحو مشابه لتشجيع إسرائيل لحماس كقوة موازنة لمنظمة التحرير الفلسطينية».

وفي كتابها «صورة لمصر.. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة.. صورة جديدة لأسامة بن لادن» تسجل ماري آن ويفر أن المخابرات الإسرائيلية “قامت بخلق حماس لهدم منظمة التحرير الفسلطينية”، كما شجعت أميركا المقاتلين العرب في أفغانسان. ويتفق جين هيك معها فيقول إن وكالة المخابرات المركزية “هي التي أطلقت شرارة الجهاد”.

ولا ينسى تحذير جون كنيدي: “من يمتطون ظهر النمر، غالبا ما ينتهي بهم الحال في جوفه»، إذ وفرت وكالة المخابرات المركزية بنية تحتية وتدريبا ومعدات أدت إلى «مولد القاعدة»، ولو كان الغرب قد «اطلع على الغيب لاحتاط للأمر»، إذ فات أميركا في علاقتها بالقاعدة «تماما الدرس الذي قدمته نظيرتها البريطانية إم 16» في علاقتها بتنظيمات دينية متطرفة. هكذا أثبت تأييد أميركا لوصول طالبان إلى السلطة أن توظيف الغرب للإسلام السياسي سلاح ذو حدين، وأحيانا يكون «مميتا».

وكان الفرنسي تيري ميسان قد سجل في كتابه “11 سبتمبر.. الخدعة الكبرى” أن أميركا صنعت أسطورة بن لادن الذي عولج في المستشفى الأميركي في دبي، بين 4 و14 يوليو 2001، «وشوهد الممثل الأعلى لوكالة المخابرات الأميركية الذي يعرفه الكثيرون في دبي يستقل المصعد الرئيسي للتوجه إلى غرفة بن لادن»، وكانت حكومة طالبان تعاني جهلا بالعلاقات الدولية، فلجأت إلى الأميركان، ومثلتهم لدى الأمم المتحدة «ليلي هليمز»، ابنة أخ ريتشارد هيلمز المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية.

لعل هذه الأدلة، والشواهد، والقرائن، تثبت كيف يتحالف الإخوان وأميركا.

كلمتي للمغفلين: مصر أكبر من الخيال الاستشراقي، والوصاية المفتعلة، وصراخ تفوح منه رائحة الغاز القطراني.

عبدالصبور كتب سنة 1954 «عودة ذي الوجه الكئيب» عن عبدالناصر. نجيب محفوظ أدان عبدالناصر الذي رفض فكرة منع نشر «ثرثرة فوق النيل»، وعرض «ميرامار» و«شيء من الخوف».

أحمد فؤاد نجم كتب “الحمد لله خبطنا” في يونيو 1967 يهجو عبدالناصر.

نجيب سرور سخر في «الأميات» من عبدالناصر، وضحك قائلا: «قرأها، وقال: سافل وابن كلب، بس دمه خفيف».

مصر الأكبر من خيال مستشرقي الربيع العربي لم تسجن هؤلاء؛ لأنها “دولة”، في حين تهتز عروش بسبب قصيدة. نسي مستشرقون استأسدوا على مصر أن يشكروا أمير محمية قطر، على كرمه مع الشاعر محمد بن الذيب، بخفض الحكم بسجنه مدى الحياة إلى 15 عاما، في سجن لم يجربه قصار القيمة والقامة، أما “المفكر” بشارة فسيحظى بمقال قريب.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر