السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

عواصم ثقافية

الاهتمام بالثقافة غالبا ما يأتي في آخر سلم اهتمام السلطات العربية، وإن هذه السلطات هي المسؤولة أولا عن استمرار وضع مؤسسات الثقافة المتردّي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/06/19، العدد: 9594، ص(15)]

سنوات عديدة مرت على تجربة اختيار عاصمة للثقافة العربية كل عام. السؤال الملح بعد كل هذه السنوات ما الذي استطاعت أن تضيفه هذه التجربة إلى واقع الثقافة العربية؟ احتفاليات سنوية تجري في هذه العاصمة أو تلك الهدف منها تحريك الحياة الثقافية العربية وتفعيل حضورها، عبر أساليب عمل مبتكرة ورؤية جديدة، يمكنها أن تفتح أمامها آفاقا جديدة للتطور والتجديد.

لكن ما الذي يحدث على أرض الواقع؟ تقوم الدولة المعنية بالاحتفالية عادة بتكليف وزارة الثقافة ومؤسساتها للعمل على وضع الخطط والبرامج الثقافية، التي تغطي موسم الاحتفالية لعام كامل. المفارقة هنا أن تلك الجهات الثقافية المسؤولة عن الوضع الثقافي البائس في هذه البلدان، هي من يجري تكليفها بوضع الخطط والبرامج لهذه الاحتفالية.

هل يمكن لمن فشل في إدارة الشأن الثقافي، وساهم في تكريس الفساد الثقافي، أن ينهض بمثل هذه المهمة الكبيرة. إذن ما الذي يمكن لهذه المؤسسات أن تضيفه للمشهد الثقافي غير محاولة استقطاب من لم تستقطبه سابقا بحجة التكريم تارة، والإغراءات المادية تارة أخرى؟

من نافلة القول إن الاهتمام بالثقافة غالبا ما يأتي في آخر سلم اهتمام السلطات العربية، وإن هذه السلطات هي المسؤولة أولا عن استمرار وضع مؤسسات الثقافة المتردّي، مع احتكارها الشأن الثقافي من خلال وزارات الثقافة. مؤسسات المجتمع المدني مغيبة، أو هي ملحقة بعمل تلك الوزارات بشكل أو بآخر.

حتى الآن لا يبدو أن تلك الاحتفاليات السنوية تجاوزت مفهوم الاحتفالية والعمل الدعائي، إلى ما يشكل انطلاقة في واقع الثقافة هنا أو هناك في عواصم العرب الطاردة للثقافة. في كل عام تجيِّش تلك الوزارات والمؤسسات الثقافية كتَّابها ومريديها وشعراءها ومثقفيها الأخيار، ليتصدروا مشهد الاحتفالية. تطبع المؤلفات والكتب، وتجري دعوات لكتاب وفنانين بنفس الأساليب المتبعة عادة.

كذلك مثقفو السلطة هم الأولى بالمعروف. أين الجديد الذي يمكن أن يبنى عليه في هذه الاحتفاليات؟ لا شيء يستحق الذكر. التحول في واقع الثقافة وآليات عملها، يتطلب أولا إلغاء احتكار الدولة للثقافة، عبر تفعيل مؤسسات العمل الثقافي المدني ودعمها ماديا، أو على الأقل إشراكها بصورة فاعلة في وضع استراتيجيات العمل الثقافي لإخراجه من أزمته الراهنة، واستعادة حضوره المؤثر في الحياة العامة للمجتمع. هذا يتطلب خططا وإستراتيجيات بعيدة المدى تتجاوز الطابع الاحتفالي والدعائي.

المسألة هنا أبعد من الثقافة بعد أن ارتهنت للسياسي، الذي احتكر المجال العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي! لا بدّ إذن وقبل كل شيء تحرير الثقافة من هيمنة السياسة بالمعنى الرسمي، واستثمار طاقات المجتمع الثقافية على اختلافها وتنوّعها في مناخ من الحرية والإبداع.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر