الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

'المفكر' بشارة: المنهج في خدمة الأمير

في المشروع الإخواني قشور وطنية مرحلية، ولكنه يعادي 'المواطنة'، ولو تمكنوا لفرضوا الجزية على المسيحيين. ويعلم 'المفكر' بشارة الفرق بين الوطنية والمواطنة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/06/25، العدد: 9600، ص(8)]

أثار قبول إميل حبيبي جائزة إسرائيل للإبداع الأدبي، وتسلمها من يد إسحق شامير عام 1992، ردود فعل غاضبة. أعطاني أحمد عمر شاهين مقالا عنوانه «إميل حبيبي رجل المفارقات»، سجل فيه بعضا من «تناقض وتوتر دائم بين مواقف إميل حبيبي السياسية وإبداعاته الأدبية، وهو أمر يحتاج إلى «دراسة نفسية لتفسيره»، ونشرته في «الأهرام المسائي»، وبعد أربعة أيام قابلت فاروق عبدالقادر في قهوة «سوق الحميدية»، وهو من محبي إميل حبيبي، فقال لي: «لا تصدق فلسطينيا إذا تكلم عن فلسطيني». لم يتجنّ شاهين على حبيبي، بل ذكّره بواقعة القبض عليه بعد إعلان الدولة الصهيونية، إذ سأله المحقق الإسرائيلي: كيف دخلت إلى هذه البلاد، فأجاب بثقة: «دخلت بصورة شرعية من رحم أمي مباشرة».

تذكرت قول فاروق عبدالقادر، حين رأى صديقي الفلسطيني رياض أبو عواد كتاب الدكتور عزمي بشارة «في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي»، في يدي عام 2007، ونصحني بالاقتصاد في المحبة، «ستكتشف عزمي بشارة ذات يوم». قدّرت أن تكون للنصيحة جذور من تنافس قديم، أيام زمالتهما في الجامعة، ثم جاءت الثورات العربية عاصفة تسقط أوراقا قبل قدوم الخريف.

في كتابه هذا، كان بشارة يعيب على «ديمقراطية» يستعاض عنها بالتوازن بين الجماعات العضوية والطوائف والقبائل، ولا يفهم المواطنة حين يستعاض عنها بالعضوية في جماعة تتوسط بين الفرد والدولة، فمثل هذا المشهد ليس تعددية ديمقراطية، بل مجرد توازن وتعايش، ربما يتحول في أي لحظة إلى احتراب أهلي.

جرت مشيئة الشعب المصري أن يثور. لم يبحث عن صيغة جاهزة للثورة في كتالوغ الثورات، وجاءت الثورة خفيفة الظل في صرامتها وقدرتها على التحدي، ورهانها على المستقبل، وإصرارها على إنجاز مشروع «الدولة»، وتحت مصطلح «الدولة» يأتي أي شعار أو هدف للثورة، من التغيير إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

راهنت الثورة على أن قدامى اليسار، وخصوصا مستشرقي الربيع العربي، ستصيبهم عدوى الخروج من الأطر التقليدية للتفكير، ولكن بعضهم اكتفى بدور المستشرق الذي لا يرى وقائع الثورة، وقفزاتها الغاضبة المتلاحقة، إلا عبر كاميرا قناة «الجزيرة»، ثم تخلى المستشرق عن وقاره، وأصبح في خدمة الأمير معلقا على الأحداث وفق تعليمات هابطة من القصر: «قل، ولا تقل»، ثم أصبحت التعليقات فتاوى وطنية وثورية تؤكد مقولة مهدي المنجرة: «الهروب إلى الكلمات دليل على غياب المعنى».

انشغل «المفكر» بشارة بالثورة المصرية أكثر مما ينبغي، وليس لمصري أن يحدد لبشارة ولا لغيره قدر الانشغال، فالفراغ في الجزيرة قاتل، والهوى غلاّب، ولكنني أقصد الانشغال الأقرب إلى «الاشتغال»، وهي كلمة لها في العامية المصرية دلالة الإلهاء والاستعباط، وهذا لا يليق بشعب ثائر يعي أن ثورته لم تكتمل، ولا بباحث رضي لنفسه دور معلّقي كرة القدم حين تتغير قواعد اللعبة وهم في معازل زجاجية تمنع وصول سباب الجمهور إلى الميكروفون.

فحين قرر الرئيس السابق محمد مرسي تغيير قيادات الجيش في أغسطس 2012، سارع بشارة إلى تفسير القرار، مؤكدا أنه جاء بالتشاور مع قيادات الجيش، «ولا صحة لوجود مؤامرة أو انقلاب عسكري»، ولم يكن متحدثا باسم الجيش أو رئاسة الجمهورية.

ما فات الثورة المصرية أن تنجزه هو صياغة دليل مبسط عنوانه «الديمقراطية للمبتدئين»، لكن الثوار لا ينشغلون بالتنظير لما قاموا أو يقومون به، سيكتب ذلك جيل لاحق، تخلو قلوب أبنائه من المرض، ونفوسه من الغرض.

قلت إن للثورة المصرية، ولغيرها من الثورات العربية إذا جاز لي القول دون تجاوز استشراقي، هدفا وحيدا هو إنجاز مشروع «الدولة». كانت الثورة حملا مصريا خالصا، مولودا بريئا أخلى ذاكرته مما سبق، وأعلن: «عفا الله عما سلف» من قتل تنظيم الإخوان لمصريين أبرياء، والتواطؤ على قتل آخرين بأيدي تنظيمات حليفة، وإعلان مرشد الإخوان السابق مهدي عاكف (2006): «طز في مصر.. وأبو مصر.. واللي في مصر»، وإعلان مرسي في بدء حملته الانتخابية: «سوف نعيد فتح مصر». منح الشعب ثقته للإخوان، ثم سحب الثقة، تلك القضية التي لا يريد «مستشرق» طريد الفكر الماركسي أن يعيها، مؤكد أنه يعي ولكنه لا يدرك أن الشعب المصري نضج، في حين يظل مستشرقو الربيع العربي في معازل الجزيرة، يرددون خطابا يصب في مجرى مشروع الإخوان العنصري الإقصائي المعادي لفهوم «الدولة».

في دفاعه يجادل «المفكر» بشارة قائلا: «لسنا الوحيدين الذين حاولوا بناء حكم ديمقراطي في مجتمعات متدينة»، وهي مقولة في «خدمة» الأمير ومشروع الإخوان، مثل نفي القرضاوي وجود قاعدة أميركية في قطر. ولم يقدم أحدهما مثالا واحدا لحكم «إسلامي» ناجح، ديمقراطي أو دكتاتوري، من أفغانستان إلى الصومال والسودان.

ولعل لينين وماركس وإدوارد سعيد (الذي ساءه فهم البعض خطأ أن يكون كتاب «الاستشراق» دفاعا عن الإسلام لا نقضا لخيال الغرب في اصطناع شرق غير موجود، كما قال في مقدمة الطبعة الثانية) أنكروا أبوتهم لمفكر ينسف المنهج، ويكتفي بترديد آراء الأمير في ثورة أصبحت مجرد انقلاب، وفي هذا إهانة للشعب، وتكفي مقارنة هُراء مفكري الجزيرة بقصيدة التونسي محمد البراهمي، قبيل اغتياله يوم 25 يوليو 2013، في شعب استرد ثورته ودولته.

قال البراهمي لأعضاء لجنة مشروع الدستور التونسي: «أستغرب كل الاستغراب من محاولة الاستئثار بالأغلبية العددية التي منحها الشعب في لحظة تاريخية محددة، وتعلمون جميعا أن الانتخابات هي إجراء ديمقراطي لا محالة، ولكنها صورة فوتوغرافية محددة في الزمان والمكان، من يحاول أن يؤبّد هذه الصورة فهو لا يفهم التاريخ.

الأغلبية التي منحكم الشعب إياها.. هي محدودة في الزمان والمكان، فإن أردتم الاستناد عليها لكي تمرروا ما تريدون في هذا الدستور وتمرروا آراءكم، وفق منهج ومنطق استبدادي، فهذا لا يمكن أن يمر بأي شكل من الأشكال، والثورة لا تزال مسارا مستمرا، ولعل ما يحدث في مصر الآن خير مثال لمن لا يريد أن يعي التاريخ، وبهذه المناسبة أحيي شعب مصر العظيم، أحيي شعب جمال عبدالناصر وشعب سعد زغلول وشعب أحمد عرابي الذي أعاد الأمور إلى نصابها بعد أن كادت تسرق منه ثورته المجيدة، تحية إلى شعب مصر العظيم الذي نسج لوحة رائعة في الثورة، لوحة رائعة في صفحات تاريخ الثورة… شعب تونس سيستلهم العبرة من شعب مصر (بعد 30 يونيو 2013)، كما استلهم شعب مصر العبرة من شعب تونس (في 25 يناير 2011)…”.

لا علاقة لمشروع الإخوان بالحداثة، توجد شذرات من التحديث، ويعي «المفكر» بشارة الفرق الحضاري بين الحداثة والتحديث.في المشروع الإخواني قشور وطنية مرحلية، ولكنه يعادي مفهوم «المواطنة»، ولو تمكنوا لفرضوا الجزية على المسيحيين. هذا معلوم من الأخونة بالضرورة، ويعلم «المفكر» بشارة الفرق بين الوطنية والمواطنة.

«الدولة» المصرية كبيرة، تتعثر وتنهض، تمرض وتتعافى، لا تصاب بهزة مثل تلك التي يتعرض لها عرش بسبب قصيدة، ومن باب «الاستحمار» لا «النباهة»، إذا استعرنا مفردات علي شريعتي، غفلة «المفكر» بشارة عن تعليمنا حكمة أمير محميّة قطر، حين أكرم الشاعر محمد بن الذيب، وخفض الحكم بسجنه مدى الحياة إلى 15 عاما. فاته أن يشكر الأمير على الحكم، حكم المحكمة لا حكم قطر، رغم «وقوع» المحكمة على مرمى حجر من مكتبه أو مركزه أو مقامه، رحمه الله.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر