الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

ثقافة السؤال

يكفي أيّ متابع لما تبثه الفضائيات الدينية، أو قراءة بعض كتب الدعاة، حتى يعرف مدى الأزمة التي يعيشها العقل العربي الراهن.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/06/26، العدد: 9601، ص(15)]

الثقافة العربية السائدة هي ثقافة إجابات، أكثر بكثير مما هي ثقافة سؤال، بعد أن سيطر عليها اتجاهان اثنان، الأول هو الاتجاه الاستهلاكي الواقع تحت تأثير ثقافة الميديا والعولمة، والثاني هو الاتجاه الغيبي بعد انتشار فوضى الفضائيات الدينية والثقافة الغيبية، التي تعممها جهات تملك المال والكاريزما الشخصية.

هذا الواقع لم يكن له أن يتخذ هذه السمة لو أن الجهات المسؤولة عن الثقافة والتعليم في العالم العربي كانت تمتلك رؤية مدروسة لخلق وعي علمي ونقدي، تستعيد فيه الذات وعيها بذاتها كوجود وفعل وهوية وإدراك. أنظمة التعليم ووزاراتها حاربت الفلسلفة في جامعاتها ومدارسها لأنها ثقافة بحث وسؤال. أغلب الجامعات العربية لا يوجد فيها هذا الاختصاص، وبعض الجامعات التي كانت تدرِّس الفلسلفة تم إلغاء هذا الاختصاص من فروعها.

في جامعة دمشق كان الطالب الذي يحصل على أدنى علامات في الشهادة الثانوية هو من يدخل فرع الفلسفة، لأن جميع الاختصاصات الأخرى تحتاج إلى معدلات أعلى. طبيعي إذا أن ينعكس هذا الواقع على حجم التأليف والبحث في حقلي العلم والفلسفة، حتى أصبح لا يعادل واحدا بالألف مما ينشر من كتب، بعد أن شهدنا حراكا متناميا للبحث الفلسفي في مصر ولبنان وسوريا في ستينات القرن الماضي. هذا الفراغ الكبير الذي خلفه غياب ثقافة السؤال، كان لا بد من ثقافة بديلة تقوم بملئه. الأنظمة العربية كانت هي المستفيدة. بعضها عمل على تشجيعه لمواجهة قوى اليسار والليبرالية، ما خلق بيئة مناسبة شجعت في ما بعد على التطرف والغلو.

يكفي أيّ متابع لما تبثه الفضائيات الدينية، أو قراءة بعض كتب الدعاة، حتى يعرف مدى الأزمة التي يعيشها العقل العربي الراهن. تلك الثقافة (العالمة) تجيب عن كل شيء، من كيفية دخول الحمام، إلى نتف الحواجب عند الأنثى، وحتى كيفية انتقال المؤمن من قبره إلى الجنة في موكب من الملائكة، وحجم الأرض التي تعطى للمؤمن كملكية خاصة في الجنة.

إنها ثقافة الرعب والإغراء التي يروّج لها هؤلاء الدعاة، ما يجعل الإنسان مستلبا ومغيّب العقل وواقعا تحت رهاب تلك الصور المريعة، التي تقدّم له عن عذاب الآخرة. فوضى التأويل والإفتاء ونشر تلك الثقافة، هي التي أدّت إلى انتشار ثقافة تغييب العقل، في ظل واقع عربي اشتدّت فيه أزماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى درجة كبيرة، ساهمت في تعزيز وانتشار هذه الثقافة. صعود قوى الإسلام السياسي في بلدان الربيع العربي كان نتاجا عمليا لكل هذا الواقع، الذي نكاد نفقد فيه ما تبقى من ثقافة التنوير والعقل.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر