الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

أيّ حلول إنقاذية للعراق

الانفراج الجدي للأزمة العراقية يقوم على المصالحة الوطنية وإعادة الحقوق المهدورة، ورفع الحيف عن العرب السنة، ومراجعة جميع القرارات والقوانين الجائرة، وهذا ما اعترف به أوباما لأول مرة.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/06/28، العدد: 9603، ص(9)]

رغم أهمية التفصيلات الأمنية والسياسيـة في العراق في الوقت الحاضر، فإن معطيات ما حصل في العاشر من يونيو لن تعود إلى الوراء، وهي ليست معطيات داعشية مثلما يروج في الإعلام الموجه، لأسباب دفاعية تتعلق بالاصطفافات الطائفيـة وصراعاتها والتي كانت السبب الرئيسي لما حصل اليوم في كل من العراق وسوريا.

فالخطاب المغيّب لوجود انتفاضة شعبية عراقية تحولت إلى مسلحة، هو هدف مقصود للاستمرار في المشروع الطائفي التفتيتي. لوجستياً لا أحد ينكر المكاسب التي حصلت عليها «داعش» في كل من سوريا والعراق.

فهي تنتشر وتتوسع على الأرض الرخوة وحين تعم الفوضى، وهي في ذات الوقت مشروع وحشي لا يمت بصلة للمجتمعات العربية والإسلامية، وهذه المنظمة الإرهابية تتعاون- مرحليا- مع من يستفيد من أساليبها الصدامية والدموية لإضعاف الخصم، سواء كانت حكومات أم جماعات.

اليوم ركبت موجة الاستياء الشعبي العراقي والاعتصامات المدنية خصوصاً في المحافظات (العربية السنية)، وما حصل من انهيارات متتالية للقوات المسلحة التي بنت جسمها «التكنيكي» قوات الاحتلال الأميركي، وجسمها البشري الأحزاب «الإسلامية الشيعية» عن طريق الدمج المليشياوي المحقون طائفياً، والذي يفتقد للمقومات الأولى للعقيدة الوطنية، وما يشاهد من مهادنة في الوضع العراقي بين «داعش والتنظيمات العراقية المسلحـة» حالة مؤقتـة لا تختلف كثيراً عن الحالة السورية في مرحلة سابقة من الصراع. بل إنها ستخدم مشروع السلطة في العراق رغم العداء العلني.

ووجود «داعش» وتمددها الخطير له مستفيدون كثر وفي مقدمتهم المؤسستان السياسيتان في كل من بغداد ودمشق، إضافة إلى أطراف اقليمية ودولية. ولعل مخاطر «داعش» الحقيقية تقع على الانتفاضة الشعبية العراقية، وليست على العملية السياسية ونظامها الحالي. وهذا ما يدعو جميع المهتمين بالشأن الإعلامي الموضوعي وغير المنحاز إلى تعريف أدوار «داعش» الحقيقية، وليس استثمار أدوارها الخبيثة لإجهاض المطالب الشعبية المشروعة.

إن التعقيد الذي وصلت اليه القضية العراقية لغياب النظام السياسي الوطني اللاطائفي، ووصول العملية السياسية إلى حالة الانغلاق على أعقاب الانهيار الأمني، يجعل أي محاولة لحلول سياسية ترقيعية للأزمة الحالية، تبدو على شاكلة كتابة على رمال ساخنة ودخول في أعماق بركان مشتعل. ففي حسابات المفردات اليومية من حق نوري المالكي أن يدافع عن موقعه الحالي، ويرفض الرحيل بالقوة خارج ديناميكية الدستور الذي يدير العملية السياسية مهما يقال حوله من أوصاف، أي انعقاد الاجتماع الافتتاحي للبرلمان الجديد في الأول من يوليو، وانتخاب رئيس ونائبين للبرلمان عن طريق اختيار الرئيس الأكبر سناً، بسبب غياب التوافق بين أطراف العملية السياسية التي أصبحت في مهب الريح.

وبقاء مثل تلك الجلسة مفتوحة وخاضعة للتطورات الدراماتيكية بين المالكي المتشبث بالولاية الثالثة، وبين الأطراف الشيعية الأخرى (عمار الحكيم ومقتدى الصدر) أولاً، والسنية والكردية التي ترفض جميعها هذه الولاية الجديدة للمالكي، كل لحسابات مصالحه الخاصة، في ظل التطور الميداني الذي أفرز قوة جديدة على الأرض تتمثل في الحركات والتنظيمات العراقية المسلحة التي أغمدت سلاحها منذ رحيل الاحتلال بانتظار «الفرج»، لكن الوقائع اللاحقة تبلورت باتجاه التصعيد بالقمع والقتل ومصادرة الحريات والحقوق.

وقد نبهنا في مقالتنا في الأسبوع الماضي إلى أمرين مهمين نعيد تأكيدهما اليوم،الأول ضرورة أن تعلن تلك القوى والحركات المسلحة عن عناوينها وأسمائها، ويبدو أنها قد تفعل ذلك خلال هذه الأيام، لكي تستطيع عرض مطالبها أمام الرأي العام العراقي، وتبعد عنها شبهة «داعش».

والثاني هو الدخول في مشروع إنقـاذي تتبناه الولايات المتحدة الأميركية التي تتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الشعـب العراقي لكونها احتلت العـراق عسكريـاً وسياسيـاً، وأنتجـت للعراقيـين هـذه الحصيلة الكارثية من الفساد والفوضى والاحتراب الطائفي ولا سمح الله مخاطر التقسيم.

ويبدو ان إدارة باراك أوباما قد انتبهت مؤخراً إلى ذلك، حيث عبر الرئيس الأميركي عن ما يشبه اعترافا جوهريا بما حصل في العراق، ولا يعرف أحد بالضبط مدى جدية الأميركان في الضغط لتلبية مطالب وحقوق المضطهدين والمظلومين من أبناء الشعب العراقي من العرب السنة بصورة خاصة، ولعلهم يساعدون في إخراج الشعب العراقي من هذا النفق الخطير والمظلم. لكن عادة الأميركان أن يقولوا شيئاً ويفعلوأ أشياء مغايرة.

أرسل باراك أوباما وزير خارجيته للمنطقة والعراق في محاولة للدخول في مركز الأزمة، والإدارة الأميركية عارفة بجوهر الأزمة كما هي متمكنة من أزمة سوريا، ولكن هذا عراق النفط، ولا تتحمل حالته الإهمال أو التأجيل.

ويبدو أن الخطوة الأميركية الأولى وصولاً إلى مقترحنا الذي قدمناه الأسبوع الماضي هي عقد حوارات مع دول الإقليم النافذة، أي المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا، لمعالجة هادئة لما يسود اليوم في العراق، وسيتركون لميكانيكية الانتخابات أن تأخذ مساراتها الأولية، ثم يدخلون ديوان الحوار المعقد والصعب وسط تضارب المصالح الإيرانية والسعودية والتركية، لكن الأميركان قد يصلون في النهاية إلى حلول يقنعون القوى السياسية العراقية بجدواها. وإن تم تجاهل القوى العراقية ذات التنظيمات المسلحة بعد وقائع العاشر من يونيو، فلا حل في العراق، بل ربما هو ذاهب إلى التقسيم.

وقد كانت القيادة الكردية أكثر جرأة، بعد السيطرة العسكرية على كركوك، في تحديد ملامح المستقبل الكردي في الانفصال وإقامة دولتهم، ولعل تصريحات مسعود بارزاني من داخل كركوك كانت واضحة في ذلك الاتجاه.

الانفراج الجدي والحقيقي للأزمة العراقية يقوم على المصالحة الوطنية وإعادة الحقوق والكرامات المهدورة، ورفع الحيف عن العرب السنة، ومراجعة جميع القرارات والقوانين الجائرة، وهذا ما اعترف به أوباما لأول مرة، وردده وزير خارجيته في تصريحاته الأخيرة.

لم نلاحظ إلى حد اللحظة أن هناك استعدادا حقيقيا وواضحا من قبل جميع الكتل السياسية للتعامل مع ما يحصل حالياً وفق هذا المنطق. بل إن جميع هذه الكتل منشغلة بإعداد وتحضير بديل للمالكي. والبعض يطرح حل “حكومة الانقاذ الوطني” المرفوض من قبل المالكي وكذلك من الكتل الشيعية خشية ضياع “فرمان الحكم”.

وإذا ما أصرت الإدارة الأميركية على الاستمرار في ممارسة سياسة الكيل بمكيالين، والخضوع لهيمنة القرار الايراني في العراق، فإن الأفق مظلم وينحو نحو الحرب الأهلية لا سمح الله. أما إذا تم الاعتراف بالقوى الشعبية المسلحة، والتي يجب أن تجتمع على موقف موحد من العملية السياسية، فإن هناك فرصة للوصول إلى نقطة منتصف الطريق بحلول وسطية ترضي- مرحليا- جميع الأطراف وبرعاية أميركية وبمشاركة كل من إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر