الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

المثقف بوجوهه الثلاثة

مثقف الأيديولوجيا لا يريد أن يفهم متغيرات الواقع، وأن الأيديولوجيا جامدة ومغلقة على نفسها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/07/03، العدد: 9608، ص(15)]

المنعطف الحاسم الذي يمر فيه الوضع العربي الراهن سياسيا واجتماعيا وثقافيا لن يعيدنا بالتأكيد إلى مرحلة الأسئلة الأولى لعصر النهضة، أو ما بعدها، لا لأن التاريخ لن يكرر ذاته، بل لأن طبيعة الصراع والقوى الفاعلة فيه، والتي تعبر عما يمكن أن نسميه بصراع الإرادات يأخذ بعدا مغايرا لما كان عليه في نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين. هذه الانعطافة الحاسمة هناك ثلاث قوى تتصارع على استثمارها وتجييرها لخدمة مشروعها الخاص ومصالحها.

أولى تلك القوى هي قوى النظام الرسمي الاستبدادي العربي، التي لا تزال تعمل جاهدة لإفراغ ثورات الربيع العربي من أهدافها، سواء عبر احتوائها، أو جعل فاتورة الدم والآلام التي تدفعها تلك الشعوب الثائرة باهظة التكاليف جدا، إن لم تكن تحاول أن تدفع بها نحو مسار مسدود يجعلها تقبل بأيّة تسوية ممكنة. القوة الثانية هي قوة الإسلام السياسي المتطرف الذي يستفيد كثيرا من غياب البديل الوطني الديمقرطي، ومن تخلي العالم عن تلك الثورات اليتيمة، ومن وحشية أنظمة القتل وسياساتها الطائفية التي تستدعي فعلا موازيا لها، بينما القوة الثالثة هي التي تفتقد إلى التجانس والتوحد، وتعاني من الضعف لافتقادها إلى رؤية موحدة وموقف موحد يجعل منها قوى مؤثرة وفاعلة، وأسباب ذلك كثيرة ذاتية وموضوعية.

السؤال هنا أين هو المثقف من كل هذا؟ حتى الآن لا يبدو أن المثقف العربي قد استطاع أن يشكل كتلة اجتماعية متوازنة ومؤثرة فيما يجري لأسباب كثيرة، أهمها أن هذه الثورات فاجأت الجميع ما جعل بعضهم ممن لا يستطيع فهم ما يحدث خارج عقلية المؤامرة، يتخذ موقفا معاديا لهذه الثورات، والغريب أن أغلب هؤلاء المثقفين يمثلون قوى اليسار الذين تقطعت بهم السبل والأيديولوجيات.

هذا الغياب جعل أصوات هؤلاء المثقفين دون تأثير يذكر، وأفقدهم دورهم في مرحلة مفصلية، تتجاذبها تيارات ومصالح وإرادات متناقضة انعكست على ما يشهده هذا الصراع من عنف وحشي لم يكن أحد يتصوره. البعض ذهب في تحليله لما بات عليه وضع المثقف العربي، إلى أنه في مرحلة الاستبداد السياسي كان أكثر انتهازية وبراغماتية من المواطن العادي، لكونه يتمتع بقدرة على المراوغة والتضليل واللعب على الحبال، لذلك من الطبيعي أن يراوغ حتى ينجلي غبار المعركة. مثقف الأيديولوجيا لا يريد أن يفهم متغيرات الواقع، وأن الأيديولوجيا جامدة ومغلقة على نفسها، وعليه الانفتاح على الواقع قبل أن يصبح فاقدا للصلاحية.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر