الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

رسالة إلى الشاعر

لابد أن يكون هناك محاورون جميلون وإلا تحول العالم إلى مستنقع كبير وستجد على الدوام آخر يصغي هو الذات الفخمة العاطلة والمعطوبة.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/09/01، العدد: 9307، ص(11)]

الحدائق ليست مبهجة، دائما، فالأزهار قد تبعث على الحزن في حالات. مرئيات الحديقة قد تكون مرتبطة بحالات موجعة. وعندما نتحدث عن حدائق، علينا أن نتذكر الحديقة كمكان للجريمة في هاملت شيكسبير.

***

تشغلني كثيراً حالات هذه الشخصية الفاتنة، هاملت، شخصية بالغة الثراء، متمرّدة انشقاقية، مستوحدة، وهي على الأرجح موجودة في كل واحد منا، على هذه الدرجة أو تلك من الإلحاح النفسي. وعندما نتحدث في الفن الشعري تحتل الطريقة، أو الصياغة، المرتبة الأكثر جوهرية وأساسية.

ما يجب أن نتوقف عنده بعد القيمة الجمالية والتعبيرية للشعر، هو أي هاملت هذا؟

وكم هو منك أو من غيرك؟ من ثقافتك أو من ثقافات أخرى؟

موت الشعر

موت الشعر. كلام يجري تداوله بين طرف يأخذ به، وقد وقع في ظنه أن الشعر مات، وأفسح موته لأجناس أدبية أخرى، وآخر ينفي الحادث من باب أن الشعر يستحيل أن يموت.

وفي كلتا الحالتين الكلام لا يرقى إلى درجة النقاش، لأنه يدور خارج مسرحه الأصلي، وله صورة الجدل الحزبي.

ادعاء عبث يحـــاول أصحابـــه الترويج له.

كما يروج البـــائع لسلعة.

في سوق وقع الظن أن من السهل بيع أي شيء فيها.

أصحاب الرأي الأول رأوا ذلك لاعتقادهم بان الشعر سلعة. أما وقد بار سوقها فقد ماتت مجازاً.

قدر الشاعر

عندما سيطويهم النسيان ستجد نفسك تمشي أيضا. تواصل ذلك المشي الذي بدأته، بلا هدف آخر سوى أنك تريد أن تمشي. ذلك هو قدر الشاعر. لكن الآخرين يرون في هذا المشي صعوداً.

بعضهم يصفق لك بحب، وبعضهم يصفق لك لأنك قادر، وبعضهم ينظرك بحسد ويتمنى لك أن تسقط وتدق رقبتك.

أما أنت، فأنت لا تصعد، أنت فقط تمشي. تغذي السير الذي هو قدرك، لا ترى فكرة الصعود من أساسها. إنك تشعر فقط أنك تتحرك، تشعر بشغفك وتشعر باندفاعتك، ولا تملك لهما دفعاً.

تلك هي محنة الشاعر وجمال قدره أيضاً. ولكن من تخاطب، لمن تقول هذه الكلمات

لابد أن يكون هناك محاورون جميلون وإلا تحول العالم إلى مستنقع كبير وستجد على الدوام آخر يصغي هو الذات الفخمة العاطلة والمعطوبة. لذلك قلت إنك تنظر إلى نفسك من باب موارب، عادة ما نسميه بالمرآة، فترى شخصاً وتهتف: من هو؟

أأنا هو؟

***

الشاعر في العالم، هو آخر الشهود الأحياء على صور أثيرة وعزيزة أخذت تبتلعها الصورة الكبرى للكارثة، ممثلة بكائنات ما بعد الإمبريالية. التي أخضعت العلم البشري لمخططها الجحيمي. نحن الآن في برهة غير مسبوقة، يسودها صلف، وغرائزية مرعبان، ورائحة دم الضحايا تنعش آلاف أسماك القرش الضخمة وقد توالدت في كل بحر من بحار العالم.

الرسالة

كل قصيدة يكتبها الشاعر هي جملة في رسالة تودع العالم بينمــا هي تستقبلــه، وإذا كان عمــل الشاعــر مع الكلمـــات هــو عمل في المستقبــل، ومع المستقبــل، فإن فكــرة الوداع نفسهــا تصبـح التباســاً كبيراً. ومهما كانت قصيدة الشاعر موارَبة في قصدها، وفي زينتها ولعبها، فطاقة الحدس والخبرات الشعورية العميقة التي تبني الرؤى الشعرية أورثت شاعرها منذ أقدم الأزمان الحس الفادح بالفقد، بالهارب من الزمن، والهارب من الجمالات، وإذا كان الشاعر هو هاملت ذلك الطفل المغترب أبداً في مرايا العالم، فإن أساه الحقيقي يبدأ عندما يكتشف أن شغفه الذي لم يتوقف في البحث عن خيالات طفولته يواجه بنصال الزمن والمواضعات اليومية المعادية لكل ما هو طفولي في مجتمعات لا تدين للسجية الإنسانية، ولا للعفوي، بمقدار ما تدين للقناع الاجتماعي وأعماله الشريرة.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

العالم الآن

:: اختيارات المحرر