الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

المعادلة الجديدة في الأزمة العراقية

التطور الأخطر والأهم هو استثمار القيادة الكردية لحالة الانهيار الأمني باحتلال كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها دون قطرة دم واحدة.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/07/07، العدد: 9612، ص(9)]

لم تتمكن الدورات الانتخابية الثلاث بين 2006 و2014، من إفراز حالة تمكن من الخروج من الدائرة الطائفية، لأن الخروج منها كان يتطلب إرادة شعبية قوية تواجه نفوذا هائلا متشبثا بالحكم من مجاميع المستفيدين، وكارتلات المصالح المالية، ومافيات النهب التي تضخمت بشكل لم يعهده العراق. جاءت الفرصة لخروج السلطة من القمقم الطائفي عام 2010 حين فازت القائمة العراقية، ولكن لم يكن متوقعا السماح لهذا المشروع بأن يمر لأنه سيؤسس لبداية عهد سياسي وطني.

ونلاحظ أن الدورة الحالية كشفت خرافة اللعبة الطائفية والمأزق الذي وصلت إليه، باعتراف أعمدتها، حيث أصبح صراع السلطة داخل أطراف اللعبة نفسها لأسباب لا علاقة لها بالناس وبمصالحهم، وإنما بالتنافس الداخلي لمن يمثلون الأطراف السياسية الشيعية.

فهذه الأحزاب المسماة (التحالف الوطني) لديها فرمان من أطراف المثلث الطائفي للعملية السياسية وكذلك من طهران وواشنطن بأن الحكم لا يخرج من عباءتهم. وجميع الأطراف العراقية قابلة بذلك لكنها تنتظر «الدخان الأبيض» من مرجعيات الحكم الشيعي في كل من طهران والنجف.

التطور الميداني المهم الناتج عن سياسات البطش والظلم والتهميش وسلب الحقوق تمثل في الحراك الشعبي السلمي للمحافظات العربية السنية خصوصا في محافظة الأنبار عام 2013، والرد القمعي المسلح أدى إلى احتقانات واسعة لم يتم التعامل معها وفق سياقات قانونية، وحلول عادلة ومنصفة، وإنما وفق نظرة التمايز والاحتراب الطائفي الذي يغلف العملية السياسية برمتها، وتحت مقصلة «مادة أربعة إرهاب» والتخوين بالارتباط بأخطر تنظيم إرهابي (داعش) الذي ظهر عقب تحول الحراك الشعبي السوري السلمي في «درعا» عام 2011 إلى حركة مسلحة تسللت إليها «داعش» بتدبيرات مخابراتية محلية وإقليمية، وهي لعبة وجدت دعما وقبولا أميركيا، واستثمارا محليا لتدعيم المشاريع السلطوية في كل من بغداد ودمشق، إضافة إلى الآمال الخبيثة للتيارات المتطرفة التي حصلت على مكاسب خيالية بسبب الفوضى وغياب الدولة.

الحدث الأخطر هو سقوط وتفكك المؤسسة العسكرية العراقية في العاشر من يونيو الماضي في نينوى وصلاح الدين وديالي وكركوك، والذي بدلا من أن يكون مفترق طرق حقيقيا أمام العملية السياسية في العراق بعد تأكيد فشلها التام، وتحقيق وقفة جادة من عقلاء وحكماء السياسة في العراق، أصبح الظرف الجديد ميدانا للتعبئة «الشيعية» تحت شعار محاربة داعش، والمقصود به الحفاظ على العملية السياسية التي تقودها تلك الأحزاب الشيعية وإنقاذها من المأزق الذي وصلت إليه، وتغييب الحراك الشعبي وتخوينه، الذي تحول إلى حركة مسلحة لها مطالبها السياسية الواضحة، والتي تشكل امتدادا لمطالب أهل الأنبار المقموعة.

لقد أدخل الظرف الميداني الجديد أطراف الأحزاب الشيعية حافة الهاوية. مقابل محاولات من قبل بعض الأطراف السياسية للاهتداء إلى مشروع سياسي وطني إنقاذي تحت عنوان «حكومة إنقاذ وطني» أو غيرها من المحاولات. لقد تم تجييش المناطق الشيعية وفتح أبواب التطوع استنادا إلى فتاوى المرجعيات، والتي أعطت إشارة لا نعتقد أن المرجعية تقصدها، وهي التجييش الطائفي بين السنة والشيعة، مهما لبست شعار «محاربة داعش» التي تقتل السنة قبل الشيعة، ولسد الطريق على المحاولات السياسية المقترحة في حكومة الإنقاذ.

التطور الأخطر والأهم هو استثمار القيادة الكردية لحالة الانهيار الأمني باحتلال كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها دون قطرة دم واحدة، والتي تمتد على مساحة تفوق مساحة إقليم كردستان قبل العاشر من يونيو لإحياء مشروع استقلال كردستان، والدخول في آلياته المصممة والمحضرة مسبقا، وهو تطور خطير يقترب من تطبيق مشروع تقسيم العراق الذي قدمه نائب الرئيس الأميركي الحالي «بايدن»، رغم التصريحات الإعلامية الأميركية بأنها مع وحدة العراق.

إن سياسة التجييش التي تديرها الأحزاب الشيعية، وينفذها رئيس الحكومة لن تخرج العراق من محنته الحالية، رغم الدعم العسكري الإيراني والأميركي والروسي، خصوصا بعد دخول الحراك الشعبي المسلح المعادلة، وعملية الخلط والتشويه بين داعش الإرهابية والثوار، التي نجح فيها نظام بشار الأسد لن تنجح في العراق. كما أن دخول إيران المكثف عسكريا واستخباريا لإعادة سيناريو سوريا الطائفي-(حيث صرح محسن رضائي رئيس تشخيص مصلحة النظام مخاطبا الايرانيين “استعدوا لعاشوراء جديدة وكربلاء جديدة في سوريا والعراق) لن ينقذ العملية السياسية مما وصلت إليه.

ويبدو أن قيادات الأحزاب الشيعية حتى وإن نجحت في تأجيل خلافاتها الداخلية تحت شعار «الحفاظ على حكم المذهب» وقدمت مساندتها لرئيس الوزراء، فإن الأزمة السياسية أدخلتها في طور جديد بعد السيطرة على كركوك والاقتراب من إعلان الاستقلال الكردي، ودخول الرقم العربي السني، الذي لا تستطيع الكتل العربية السنة في البرلمان تمثيله، في المعادلة ميدانيا. فبين الإصرار على المحاصصة الطائفية، مقابل الدعوة إلى حكم وطني يضم الجميع، لن تحل بإرادة جميع القوى السياسية.

الحل المحتمل والذي اقترحناه منذ قرابة الشهر هو صفقة حل إقليمي (بين السعودية وإيران وتركيا برعاية أميركية ودعم أوروبي وأممي) يدخل الرقم العراقي الجديد ضمن أطراف الحوار والتفاوض على قيام حكم لا طائفي في العراق دون استثناء أحد.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر