الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

عام 1979 نهاية القرن العشرين وأول الجحيم

لم يتخيل أحد أن تؤدي الثورة، في بداية 1979، إلى سقوط الدولة في حجر الملالي، وتأسيس سلطة دينية كابوسية أكثر استبدادا، حتى أن عنوان الثورة سرق، وأصبح اسمها 'الثورة الإسلامية'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/07/08، العدد: 9613، ص(9)]

لم يمنح المؤرخون عام 1979 الأهمية التي تليق به. في ذلك العام حدث انشطار كوني عظيم تكفي شظاياه المتلاحقة، إلى الآن، لإنهاء قرون أخرى، وطي صفحات دول تحت الركام. هنا البداية الحقيقية للحرب الباردة، ونهاية القرن العشرين، وتحالف أميركي إسلامجي، وتبادل الأدوار بين ديناصور باطش وثعلب ماكر، قبل أن يتمرد العفريت على ولي نعمة إخراجه من ظلمات الفانوس، هنا وقف “كينج كونج” على مسرح لا علاقة له بالغابة، وإطلاقه طاقة الشر في كل اتجاه من أجل الفوز بحورية.

لم يحظ هذا العام من الروائيين بما يستحق، ربما تمثل أحداثه تحديا فنيا بتفوقها على خيال الفنان.

دراما الثورة الإيرانية تكسر الإيهام في الأفلام، فلم تكن دينية، بل إنسانية تهدف إلى إنهاء نظام الشاه القمعي. ولم يتخيل أحد عام 1978 أن تؤدي الثورة، في بداية 1979، إلى سقوط الدولة في حجر الملالي، وتأسيس سلطة دينية كابوسية، أكثر استبدادا، حتى أن عنوان الثورة سرق، وأصبح اسمها «الثورة الإسلامية».

في 11 فبراير 1979 رقصت فتيات في شوارع طهران، فتحن للحرية الأذرع والصدور، ولكن ريح السموم حصدت الآمال والأرواح الحرة، وزرعت خيبة الأمل. هنا في مصر، مع صعود قوى اليمين الديني في خريف 2012، وارتفاع نبرة الاستعلاء على المختلفين في الدين، وعلى غير المنضوين تحت تنظيم أو حزب طائفي، خشينا تلك النهاية، ولكن إرادة الشعب هي العليا.

استبعد صديقي الفنان الإيراني، حين التقينا في الجزائر بعد 11 فبراير 2011، أن ينهار حكم الملالي، إلا بتكلفة باهظة، سوف تسيل أنهار الدم، في حرب أهلية يتكافأ طرفاها في امتلاك الأسلحة القاتلة، لا فرق بين بارود وأيديولوجيا. ما جرى لأبي الحسن بني صدر نموذج للتراجيديا، إذ كان نشطا في الحركات الطلابية المناهضة للشاه، وسجن وهرب إلى فرنسا، ثم عاد مع الخميني، وأصبح وزيرا، وفي يناير 1980 انتخب رئيسا لأربع سنوات لم يبلغها.

في نظام ولاية الفقيه لا تمس الديمقراطية، وقواعدها الأربعون، مقام روح الله آية الله الخميني القائد الأعلى للبلاد، وقد أعلن الهجوم على الجامعات «بؤر الانحطاط الأخلاقي.. فإذا كان كل ما تفعله تربية الشباب على الفكر الشيوعي والغربي، فلتظل مغلقة، فلسنا في حاجة إليها». حدث الخلاف حين أراد بني صدر ممارسة صلاحياته الدستورية، وبعد نشوب الحرب مع العراق، اعتبر الرئيس ميؤوسا منه، وأنه لا يلتفت إلى نصحه بالعودة إلى «حظيرة الإيمان» كما سجل سبهر ذبيح في كتابه «قصة الثورة الإيرانية». أصدر بني صدر بيانا يدعو الشعب إلى مقاومة «تأسيس دكتاتورية جائزة»، وفسر ذلك بأنه تمرد على النظام الإسلامي، على الخميني الذي عزل الرئيس في يونيو 1981، وخرجت مظاهرات حاشدة في طهران مؤيدة لبني صدر المختبئ، وقد ضاقت عليه بلاده، وسرت أنباء الإعدام لنحو 150 شخصا بتهم «التمرد على الدولة، والفساد في الأرض، ومحاربة الله».

صدر أمر باعتقال الرئيس «الخائن»، ولكنه تمكن من تغيير ملامح وجهه، وفر إلى فرنسا.

في 20 نوفمبر 1979، فجر العام الهجري الجديد، المحرم 1400، استيقظ العالم الإسلامي على خبر اقتحام مسلحين الحرم المكي. هل كان جهيمان العتيبي مدفوعا بإغراء نجاح الثورة في إيران؟ خطيئة العتيبي ومحمد عبدالله القحطاني هي الجهل بسياق قيام «الدولة الإسلامية»، حتى إنه انتزع من الماضي طقوسا يرفضها العقل في القرن العشرين، البيعة والخلافة، بدليل إيمانه بأسطورة «المهدي المنتظر». قتل القحطاني في عملية تحرير المسجد والرهائن، وأعدم العتيبي وسره معه، فماذا لو تمكن باستقواء خارجي من السيطرة على الأماكن المقدسة؟

يمكن لخيال الروائيين مد هذا الخيط إلى نهايته، لرسم خريطة متخيلة للحجاز والعالمين العربي والإسلامي، بعد تغيير الخرائط وأسماء الدول والممالك والوزارات، ولن يخلو الأمر من نهر من الدماء يصل البطحاء بالسماء، وربما ضمن مسلسل حروب الطوائف، يحمل الحجر الأسود في هذا النهر ويسرق، ولن تكون المرة الأولى، فقد فعلها عبد الملك بن مروان، الشخصية الدرامية بامتياز، من الزهد والورع إلى قتل عبدالله بن الزبير، أول مولود في الإسلام، ابن أسماء بنت أبي بكر. في عهد عبد الملك حاصر الحجاج مكة شهرا، ثم ظفر بابن الزبير وقتله وصلبه، واحترقت الكعبة التي كانت، في ما بعد، ساحة لصراع آخر، حين أغار القرامطة على المسجد، ولم يبالوا بأن الله جعله “حرما آمنا”، فقتلوا الأبرياء وانتزعوا الحجر الأسود، ثم عاد إلى موضعه بعد اغتراب 22 عاما.

في يوليو 1979 جرى انقلاب ناعم في العراق، مد صدام حسين ذراعه فأزاح أحمد حسن البكر، واستولى على سلطة يمارسها بالفعل منذ سنوات. نفذ صدام «مذبحة 17 تموز»، وأعدم ربع أعضاء مجلس قيادة الثورة وثلث القيادة القطرية وبعض كوادر البعث. قيل إنه استأذن ودخل غرفة، وأطلق النار على رفاقه، ثم عاد إلى مقعده وبكى، أجهش أم دمعت عيناه، المهم أن هذا المشهد أبكى الحضور، تملقا أو تأثرا.

في سبتمبر 1979 وقع أنور السادات معاهدة «السلام» مع العدو، وخرجت مصر من المعادلة، وأصبحت أسيرة التبعية الأميركية.

أما عاصفة القرن العشرين فاحتفظ بها عام 1979 إلى النهاية، نهاية القرن أو نهاية العالم، حين دخلت القوات السوفيتية أفغانستان. كنا صغارا نتابع أخبار «الجهاد»، بكثير من الفخر، فإخواننا يذهبون للدفاع عن الدين، وقد أحيا الله على أيديهم «الفريضة الغائبة». كانت مجلة «الأمة» القطرية الإخوانية تقدم وجبة شهرية فيها مداعبة لخيالنا في الصبا. كانت «الأمة» تتبنى صورة عبدرب الرسول سياف رمز «الجهاد»، ولكنه توارى بعد نهاية الحرب، وبدء حروب الطوائف في بلد لم يعد دولة، وظهر آخرون منهم حكمتيار وأحمد شاه مسعود.

قرأنا كتاب «آيات الرحمن في جهاد الأفغان» للفلسطيني عبدالله عزام، وأساطير أخرى، إذ فجّر «المجاهدون» قطارا حربيا يحمل ذخائر، وتوالى التفجير باستثناء العربة الأخيرة التي وجد فيها «المجاهدون» ثلاث بقرات سمان.

سيقول أحمد شاه مسعود، وزير الدفاع عام 1992 في حكومة برهان الدين رباني: «فاجأنا الروس بخروجهم السريع من بلادنا بعد عشر سنوات»، لأن الأفغان شعب أبي يستعصي على الغزو، ولكن المخابرات الأميركية وغيرها لعبت بورقة «الجهاد»، وأرضت غرور المهووسين باستعادة أسطورة «الخلافة»، وحولت البلاد إلى وحل تغوص فيه الأفكار وتحار العقول، وتحتاج إلى ما يفوق خيال جييرمو أرياجا مؤلف فيلم “بابل”، حيث انفتحت حدود مصر والسودان والحجاز والخليج وباكستان، ثم صبّ المجرى في أفغانستان وأميركا التي احتضنت مركزا للجهاد في شارع أتلانتيك في بروكلين، لمساعدة المقاتلين، وكان المكتب يدار بتوجيه عبدالله عزام، وبواسطة المصري مصطفى شلبي، الذي عثر عليه بمسكنه، في مارس 1991، مقتولا بطعنات نافذة ورصاصة في الرأس. شلبي الذي استقبل عمر عبدالرحمن وأكرمه، بعد أن سهلت له أميركا دخول أراضيها عام 1990، اختلف مع الشيخ، واتهم باختلاس نحو مليوني دولار من تمويلات يتلقونها للجهاد. وما زالت الجريمة لغزا، وذات مرة سئل الشيخ عن علاقته بشلبي أو مقتله، فقال: «أنا لا أعرف هذا الرجل».

أما أحمد شاه مسعود فاستشهد يوم 9 سبتمبر2011 ، قبل يومين من الهجمات، جريمة أخرى، لغز آخر.

في أبريل 1979 جمادى الأولى 1399، وقفت في بداية طريق كان يفترض أن ينتهي بي إلى مكتب الإرشاد. اشتريت مجلة “الدعوة” الشهرية الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين، ولكن القدر اختار لي طريقا آخر.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر