السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

سواد داعش وإنتاج الهزيمة

لا يمكن فهم الصعود القياسي لداعش في العراق إلا ضمن الخطط الكبرى، وإنها عملية جديدة للبحث عن «بعبع» يتم تخويف الشعوب المقهورة به.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2014/07/08، العدد: 9613، ص(9)]

هي سنوات لن يستطيع المواطن العربي أبدا أن يفهم اتجاهاتها وتداعياتها وألوانها وصراعاتها السياسية المريرة إلا بعد عقود وربما قرن من الزمن. تحليلات السياسيين والخبراء والمراقبين لحالة «ربيع العرب» وإفرازاته المتنوعة (السلبية والإيجابية) لن تفضي إلى نتيجة تحسم جدلية الواقع والخيال في المشهد العربي الحالي.

وهذه التحليلات التي تدخل في إطار «القراءة العلمية والنفسية» للأحداث لن تصل إلى رؤية واضحة لأسباب بروز ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، طالما ابتعدت عن سبب بروز داعش الحقيقي الذي يدخل ضمن «الصفقات المشبوهة والخطط الكبرى».

منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 والعالم يعيش على وقع ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب» إلى أن سقط أول نظام عربي حاكم موال لأميركا عام 2011 وإعلان رئيس البيت الأبيض باراك أوباما في نفس العام، أي بعد أشهر قليلة على اندلاع «الثورات»، مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي اعتبر موته نهاية حرب الولايات المتحدة وحلفائها على الإرهاب.

منذ ذاك الوقت بدا المشهد السياسي العربي غريبا وهوليووديا أكثر منه واقعيا، جراء اشتعال المنطقة العربية بحرب في ليبيا، وصراع على الكرسي في اليمن ومصر وتونس، وحريق في سوريا ألهب منطقة بأكملها. وراحت بعد ذلك إدارة واشنطن تتبنى «ربيعا عربيا خالصا» لإنهاء استبداد عمره خمسون عاما، وانتهت من «التخويف» من التشدد والمتشددين والإرهاب والإرهابيين. بل عملت على تأييد وصول جماعات إسلامية- تبنت العنف ضد الدولة- إلى السلطة سواء في مصر أو تونس.

ولا يمكن فهم الصعود القياسي لداعش في العراق في الوقت الراهن إلا ضمن الخطط الكبرى، وإنها عملية جديدة للبحث عن «بعبع» يتم تخويف الشعوب المقهورة به وتنفيذ أجندات محسوبة الخطوات في المنطقة العربية، ولأن أرض الرافدين كانت بداية البداية بعد أفغانستان في حروب بوش المجنونة لنشر الفوضى الخلاقة في العالم العربي- وهذا باعترافات كبار ساسة واشنطن- كان لابد من نشر الخوف من جديد بعد الصحوة العربية في مصر وتونس وليبيا، والثورة على جماعات الإسلام السياسي، والكشف عن الانتهازية العمياء وخططها للتقسيم والتفرقة التي جلبتها معها إلى أروقة الحكم.

ولا يبشر الثوب الأسود الذي يرتديه قادة داعش في العراق إلا بأيام حالكات مليئات بالمر على أهل الرافدين والشام. كل منهما سيتذوق طعم «الدولة الإسلامية» و«الخلافة الراشدة» على طريقته. فهذا ما يريده المنبطحون أن يعيشه الناس في دولة لم يحن بعد موعد إشراق شمسها المعتمة وأن ينعموا في حضن «الخليفة» بريح الجنة ونور السماء.

ما نعيشه اليوم يشبه إلى حد كبير ما عاشه العراق قبل ثمانية أعوام، وما عاشته شوارع بيروت وغزة، بل هو امتداد للغرور العربي في إمكانية النجاح في ظل الفشل المستميت. نجح داعش وسيطر على مناطق واسعة وأطلق العنان لسكاكينه في القتل والذبح على الهوية والانتماء والديانة. ولم يبق لسلطة بلد دمره الاحتلال فرصة للنهوض ثانية والوقوف في وجه مدافع داعش القاتلة.

لم يكن لداعش وجود في سوريا والعراق قبل نحو عامين، ولم تكن ثورة السوريين على بشار الأسد مرتدية ثوب القاعدة ورافعة لشعارها المتمثل في بناء «دولة الخلافة» وتأسيس «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ولم يكن العراقيون المنتفضون في الفلوجة والأنبار وتكريت ومدن شمال العراق ووسطه ينتمون إلى داعش أو يؤيدون «خليفة المسلمين» الجديد.

ولكن هنا كيف تمت صناعة «بعبع» داعش وتضخيم قوته ودولته، حتى أضحت المخاوف تتعدى حدود سوريا والعراق، ووصلت إلى دول غربية بدت تخشى عودة “الجهاديين” إليها وتأسيس خلايا شبيهة بمجموعات القاعدة الإرهابية التي نفذت هجمات في واشنطن ومدريد ولندن وغيرها.

ولا يمكن فهم هذا دون البحث في تجليات الوضع العراقي والسوري على وجه التحديد والبحث في اتجاهين مرتبطين ارتباطا وثيقا بمجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقراءة التغيرات السياسية والاقتصادية والمصالح الحاكمة والتقاربات الجوهرية بين إدارة أوباما والنظام الإيراني من جهة، وسقوط جماعات الإسلام السياسي من جهة أخرى.

نعلم أن هناك صراعا كبيرا بين واشنطن وطهران على منطقة الشرق الأوسط، وأخذ هذا الصراع أشكالا وألوانا متعددة وباتت أنظمة «ربيع العرب» قريبة إلى أقرب الحدود من أجندات أميركا وإيران في آن واحد، وهذا مثّله نظام الرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر.

الحاجة إلى داعش اليوم ليست لها علاقة بمصطلحات الجهاد وإعلاء راية التوحيد فوق المنطقة الخضراء أو في ساحة الأمويين بدمشق، بقدر ما هي حاجة ملحة إلى هؤلاء المتعطشين إلى الدماء والباحثين عن بديل لابن لادن والظواهري والزرقاوي لإدخال الهزيمة إلى عقول وقلوب العرب الحالمين بالحرية والكرامة والوطن الجميل.

لن يكون سواد داعش بديلا عن الأيادي البيضاء التي هتفت بسقوط الدكتاتوريات العربية وإنهاء حالات الكبت السياسي والترويع في السجون. ولن يكون هذا السواد ملجأ للهاربين من نيران بشار الأسد وطائفية نوري المالكي ورايات حزب الله وحماس التي تريد إعادتنا إلى الجاهلية الأولى. لن نكون إلا ما نريد نحن أن نكون عليه.

كاتب صحفي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر