الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

هل تتبدل قواعد اللعبة السياسية في العراق

الأخطر من كل الذي جرى في العراق هو الانهيار الشامل لمنظومات الحكم، واحتمال قبول الأطراف السياسية بسيناريو خيار التقسيم، والذي يعني عمليا نهاية العراق.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/07/22، العدد: 9627، ص(9)]

أي حديث حول الفوضى الأمنية والسياسية والفشل الذي يعم العراق لا ينفصل عن السياسة الأميركية في هذا البلد وأهداف قوى اليمين المتطرف في واشنطن لتفتيت دولته عبر الاحتلال عام 2003.

وما تحقق منذ ذلك التاريخ، يؤكد تدمير الدولة العراقية ومؤسساتها الوطنية، وإقامة بديل لا علاقة له بالدولة الوطنية الحديثة، وإنما هو شكل أقرب لهيكل سياسي بكانتونات طائفية وعرقية يلبي متطلبات الحصول على الغنائم، وإشاعة التناحر والتنافس الطائفي والعرقي وإدامة الأزمات السياسية والأمنية وتغييب الاستقرار والسلم الأهليين والأمن الاجتماعي. وتم تعزيز هذا الهيكل الهزيل بإطارات دستورية تثير المشاكل ولا تحلها، وتشيع سياسات الظلم والاضطهاد الجديد وعوامل الخصومة والاحتقان والحقد والاحتراب الاجتماعي، بدلا من الوئام والانسجام.

وملئ هذا “النظام الطائفي” بالطواقم السياسية الملائمة من الجماعات الطائفية والعرقية، وغالبيتها متحمسة لمصالحها الفئوية ومصالح مرجعياتها السياسية الإقليمية والدولية المتعطشة للثأر والحقد، وقد تم دعمها بجميع الوسائل السياسية والإعلامية والمادية. فيما استبعدت من المشاركة السياسية الفعلية جميع القوى والشخصيات العراقية المؤمنة بقيام عراق ديمقراطي جديد، يصوغ العلاقة المدنية الليبرالية بين المواطن والدولة بما ينسجم ومكانة العراق الاستراتيجية وانتمائه العروبي، وطبيعة التحولات الجديدة في المنطقة والعالم، ويلبي حاجات أبنائه في الحرية والتقدم والمدنية.

كان المطلوب أميركيا، وإيرانيا، أن تتكرس في العراق سياسة الفوضى والإضعاف والتناحر الطائفي والعرقي لفترة طويلة، بعد انفتاح أبوابه لأفواج من عصابات تنظيم القاعدة التي سلكت طرقا معروفة من أفغانستان لكي تصبح أداة للعبة المصالح بين الولايات المتحدة والإرهاب من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ولهذا لم يكن مستغربا أن تتم صناعة حاكم العراق أميركيا وإيرانيا منذ عام 2005 ولحد اليوم وفق اللعبة الطائفية، رغم ما وصلت إليه من طريق مسدود وما أنتجته من كوارث سياسية واجتماعية وإنسانية ضد أبناء العراق. وأمثلتها لا تحصى في الانهيار الأمني وسقوط أكثر من أربع محافظات عراقية ينتمي سكانها إلى المكون العربي السني خارج سلطة الحكومة، إضافة إلى أربع محافظات أخرى تحت السيطرة الكردية، وموجات التهجير الطائفي عامي 2006 و2007 والنزوح المليوني الحالي بسبب الأعمال الحربية التي تحمل عنوان “الحرب على داعش”، وهي في حقيقتها تدمير للبنية التحتية والبشرية لأبناء تلك المحافظات. وكذلك في فضائح الفساد بنهب أكثر من مائتي مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية من أموال الشعب العراقي.

هذا النظام السياسي الذي سميت إدارته بالعملية السياسية رغم ما وصلت إليه من نهاية مفجعة، يتطلب إعادة نظر شاملة من قبل المخلصين للبلد بمختلف اتجاهاتهم السياسية، ووضع قواعد وطنية جديدة إلى النظام السياسي البديل للنظام الذي وضعه الاحتلال. إلا أن هناك إصرارا أميركيا إيرانيا على بقاء هذا النظام وقواعده المدمرة لشعب العراق فاعلة، بل وحمايتها، وحماية آلياتها في المحاصصة الطائفية وتلميع كوادرها مجددا حتى وإن تطلّب الأمر سحب بعض الوجوه التنفيذية من الواجهة (استبدال المالكي بآخر من داخل المكون الشيعي). ولعل الأخطر هو الانهيار الشامل لمنظومات الحكم، واحتمال قبول الأطراف السياسية بسيناريو خيار التقسيم، والذي يعني عمليا نهاية العراق.

هناك محاولات من القوتين الماسكتين بالوضع العراقي لإغراق المشهد السياسي بمسائل التشكيل الحكومي الجديد، وصرف النظر عن المستجدات في الواقع الأمني فرضت نفسها بعد التاسع من يونيو 2014 بل ودعم سياسة التغطية على تلك الحقائق التي لا ينكرها أحد بتسويق لبرامج التعبئة ذات البعد الطائفي تحت شعار “محاربة داعش” لكن الهدف هو سحق انتفاضة المضطهدين من أبناء العراق في المحافظات الست وهم المتضررون من داعش قبل غيرهم. علما وأن الأخبار كانت تشير إلى تسهيلات كثيرة قدمت لمئات “الداعشيين” للهروب من سجني “أبو غريب” و”التاجي” إلى سوريا وعودتهم إلى الموصل، وإقامة (دولتهم) الطالبانية.

كان الأجدر بمن يحمل الولاء للعراق من السياسيين العراقيين بمختلف توجهاتهم، أن يجعلوا من الوضع الجديد فرصة للمراجعة الوطنية الشاملة، وإطلاق مشروع مصالحة وطنية حقيقية والاستجابة لمطالب المعتصمين في الأنبار وباقي المحافظات، والاستماع إلى مطالب التشكيلات العراقية المسلحة ووجوهها السياسية، بدلا من مساواتهم بداعش ومحاربتهم كإرهابيين، ومحاربة أهاليهم من أبناء تلك المحافظات، وإبقاء الخيار العسكري كطريق وحيد بيد الحكومة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر